مشكلة الحديث عند السنة والشيعة


يحيى محمد

يعد الحديث النبوي المصدر الثاني من مصادر التشريع بعد القرآن الكريم، يليه الاجماع ثم سائر المصادر الاخرى المتعلقة بالاجتهاد فيما لا نص فيه، كالقياس وما اليه. ومن حيث التشريع يعتبر الحديث عند العلماء اهم هذه المصادر قاطبة، وذلك باعتباره يتميز بخاصتين لا ينافسه في جمعهما مصدر اخر، ذلك ان له مرجعية الهية مثلما للقرآن الكريم، كما انه من المصادر المفصلة شبيه بالقياس وما اليه من مصادر الاجتهاد فيما لا نص فيه. وبذلك انه يختلف عن القرآن الكريم باعتبار ان هذا الاخير من المصادر المجملة لا المفصلة، وعليه يستعان به في تبيان ما هو مجمل من القرآن، حتى جاء عن مكحول انه قال: القرآن أحوج الى السنة من السنة الى القرآن، كما قال يحيى بن أبي كثير: السنة قاضية على الكتاب، ليس الكتاب قاضياً على السنة { الخطيب أبو بكر البغدادي: الكفاية في علم الرواية، مراجعة: أبو عبدالله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية، المدينة المنورة، باب تخصيص السنن لعموم محكم القرآن، عن مكتبة سحاب السلفية (لم تذكر ارقام صفحاته): www.sahab.org }، وهو المروي ايضاً عن ابن شهاب الزهري { الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، شبكة المشكاة الالكترونية، فقرة 172 }. كذلك يختلف الحديث عن الاجماع لقلة مصاديق هذا الاخير، ولنفس السبب يختلف عن العقل المعد احد مصادر الاجتهاد والتشريع لدى الامامية الاثنى عشرية. كما انه يختلف عن القياس وغيره من ادوات الاجتهاد فيما لا نص فيه، باعتبارها غير معصومة ولا تمت الى المرجعية الالهية بصلة، لذلك عدت من مصادر المعرفة الموضوعة للاضطرار. وليس الحال كذلك مع الحديث، حيث هو المصدر الوحيد الذي يحظى بجمع الخاصتين المشار اليهما، مما يجعل مبرر الاعتماد عليه قوياً مقارنة مع غيره من المصادر المذكورة.

لكن مرت على الحديث مراحل واطوار تختلف كثيراً عن تلك التي جرت على القرآن الكريم، ذلك انه لم يجد تشجيعاً على تدوينه بالشكل الذي حصل مع القرآن، بل على العكس فان الاخبار الكثيرة الواردة عن النبي (ص) والصحابة والتابعين تفيد كراهة كتابته وتدوينه، رغم ان العديد منها ينتابه التعارض والتناقض. وقد استمر حال التحفظ من التدويل العام للكتابة طيلة قرن من الزمان او اكثر قليلاً، وذلك في عهد كل من الصحابة والتابعين. حيث كان الكثير منهم يهاب الكتابة لعلتين: احداهما الخشية من الانشغال بشيء غير القرآن، والاخرى الخوف من الكذب على النبي ومنه الدس في الكتب. وهذا ما جعل الاهتمام ينحصر في الحفظ وفي الكتابة الشخصية ثم محوها، حيث كان المحدّث اذا ما دوّن شيئاً لنفسه فانه يوصي قبل موته بحرق او اتلاف ما كتبه { انظر بهذا الصدد المصادر التالية: الخطيب ابو بكر البغدادي: تقييد العلم، شبكة المشكاة الالكترونية، القسم الاول ( الآثار والأخبار الواردة عن كراهة كتابة العلم). ومقدمة ابن الصلاح في مصطلح الحديث، دار الفكر المعاصرـ دار الفكر، مراجعة نور الدين عتر، بيروت ـ دمشق، 1986م ـ1406هـ، عن مكتبة سحاب السلفية الالكترونية، باب في كتابة الحديث وكيفية ضبط الكتاب وتقييده. ويوسف بن عبد البر النمري: جامع بيان العلم وفضله، موقع أم الكتاب للأبحاث والدراسات الإلكترونية، عن شبكة المشكاة الالكترونية، باب ذكر كراهية كتابة العلم وتخليده في الصحف، لم تذكر ارقام صفحاته).}.

وعلى العموم امتاز هذا العصر بعدد من الخصائص، ابرزها: كراهة تدوين الحديث ومحو المكتوب منه لئلا ينتشر، والاقلال من الرواية ومنع الاكثار منها، والتحفظ من نسبة الحديث الى النبي، وعدم التدقيق في بحث الرجال والاسناد، والتثبت من الحديث غير المعروف. وكل ذلك جاء للسببين المذكورين، وهما: الخوف من الكذب على النبي، وكذا كراهة الانشغال والاشتغال بغير القرآن.

لكن ظهر بعد ذلك عصر جديد وهو يحمل معاني الانقلاب على ما سلكه كبار الصحابة والتابعون ازاء التعامل مع الحديث، حيث برزت سمات جديدة هي على الضد من تلك التي شهدها العصر الاول. لكن هذه السمات لم تظهر دفعة واحدة، بل ان بعضها بدأ بالتكون والنمو مع وجود العصر السابق، واخص بالذكر ما ظهر من الاكثار في الرواية لدى ما يطلق عليهم (صغار الصحابة). مع ان بعض كبار الصحابة كان ينهى عن الاكثار في الرواية ويعاقب عليها، ومع ذهاب الكبار اخذ بعض الصغار يكثرون فيها من غير تحفظ. يضاف الى ما شهدته هذه الفترة من اهتمام اولي بمعرفة الرجال بعد ان تجرأ الناس على الكذب في الحديث، ثم تطور الحال بعد تفشيه الى البحث عن الاسناد. وبعد ذلك بدأ الاهتمام بتدوين الحديث وجمعه والكشف عن الصحيح منه.

فقد اشرنا الى ان الصحابة والتابعين ابدوا تحفظات عديدة حول كتابة الحديث، اذ كانوا يحفظونه ويؤدونه لفظاً. لكن بتقادم الزمن اخذ الحفظ يقل بموت العلماء وضعف الذاكرة وانتشار الكثير منهم في الامصار، وقد رافق ذلك ازدياد الكذب على النبي وكثرة ظهور الفرق والابتداع، فخيف عليه من المحو والاندراس. من هنا بدأت فكرة الاسناد ومن ثم التدوين العام، كما يشير اليها الكثير من العلماء والحفاظ.

ويعد الزهري اول من باشر عملية تدوين الحديث وتدويله { تقييد العلم، ص30، وجامع بيان العلم وفضله، باب ذكر الرخصة في كتاب العلم. ومحمد بن إدريس الكتاني: الرسالة المستطرفة، مكتبة نداء الايمان الالكترونية، ص3 }، وقد اتكأ عليه من جاء بعده، حيث ظهرت كتب تهتم بجمع الحديث وتبويبه كخطوة متممة لما بدأه الزهري من التدوين، وقد عرفت هذه الكتب بالموطآت، وهي كثيرة لكن لم يبق منها سوى موطأ مالك بن انس الذي صنفه في المدينة منتصف القرن الثاني للهجرة وتوخى فيه القوي من حديث أهل الحجاز ومزجه بأقوال الصحابة وفتاوى التابعين { ابن حجر العسقلاني: مقدمة فتح الباري، مكتبة سحاب السلفية الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته) ضمن الفصل الاول.}.

وقد اشتهر مالك بشدة نقده للرجال وانه حريص على ان لا يضع في كتابه الا من كان ثقة، وكان يرى ان من لم يرو عنه من المعاصرين له في المدينة فهو ممن لم يوثقه { ابن ابي حاتم الرازي: تقدمة المعرفة، شبكة المشكاة الالكترونية، باب ما ذكر من صحة حديث مالك وعلمه بالآثار (لم تذكر ارقام صفحاته). والذهبي: سير أعلام النبلاء، تحقيق شعيب الأرناؤوط ومحمد نعيم العرقسوسي، مؤسسة الرسالة، الطبعة التاسعة، 1413هـ، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ج8، فقرة 72).}. كذلك اشتهر بقلة روايته وتحفظه في الحديث ومراعاته للصحة باكبر قدر ممكن، الى درجة انه كان يسقط الكثير من احاديثه بين فترة واخرى، حتى اختلفت الرواية في عدد احاديثه ومقدار ما اسقط منها عبر السنين. وقد ذكر عتيق الزبيري بان ما وضعه مالك في (الموطأ) هو على نحو من (10000) حديث فلم يزل ينظر فيه ويسقط منه حتى بقي هذا، ولو عاش قليلاً لاسقطه كله { محمد بن محمد الاندلسي الراعي: انتصار الفقير السالك لترجيح مذهب الامام مالك، تحقيق محمد ابو الاجفان، دار الغرب الاسلامي، بيروت، الطبعة الاولى، 1981م، ص209، وابن فرحون: الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب، شبكة المشكاة الالكترونية، باب في ذكر الموطأ وتأليفه إياه (لم تذكر ارقام صفحاته).}.

وذكر ابن حزم الاندلسي ان موطأ مالك كان يروى لدى الكثير من الناس منذ ألفه، وآخر من رواه عنه من الثقات أبو المصعب الزهري لصغر سنه، وعاش بعد موت مالك ثلاثاً وستين سنة، وموطؤه أكمل الموطآت، لان فيه خمسمائة وتسعين حديثاً بالمكرر، أما بإسقاط التكرار فخمسمائة وتسعة وخمسون حديثاً { ابن حزم الاندلسي: الاحكام في أصول الاحكام، قوبل الكتاب على نسخة أشرف على طبعها أحمد شاكر، 1345هـ، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج2، ص247 }. مع ان ما ورثه المتأخرون من موطآت مالك اكثر من ذلك، حتى ان بعضها يزيد على ذلك عدة اضعاف. وفي النسخة المطبوعة حالياً لرواية يحيى بن يحيى الليثي يوجد اكثر من الف وثمانمائة (1843) رواية { انظر: موطأ الامام مالك، رواية يحيى بن يحيى الليثي، اعداد احمد راتب عرموش، دار النفائس، بيروت، الطبعة الثانية عشرة، 1414هـ ـ 1994م. }.وكل ذلك يتنافى مع ما استقر عليه عالم المدينة، وبالتالي اصبح من المحال معرفة ما عوّل عليه دون غيره.

واهم خصوصية امتازت بها هذه المرحلة وما قبلها هي التعويل على الحديث المرسل والمنقطع، كالذي اشتهر لدى مالك وابي حنيفة وغيرهما، اذ كان العلماء انذاك يتقبلون ان يقول التابعي: قال رسول الله، وان لم يذكر اسم الصحابي الذي ينقل عنه، وهو معنى المرسل لدى اهل الحديث. كما يتقبلون ما يروى عن النبي وإن سقط ذكر شخص واحد قبل الوصول الى التابعي، وهو معنى المنقطع { مقدمة ابن الصلاح، باب معرفة المرسل. والكفاية في علم الرواية، معرفة ما يستعمل أصحاب الحديث من العبارات. }.

لكن ما إن انتهى القرن الثاني للهجرة حتى بدأت مرحلة جديدة شرعت بوضع المساند من الحديث. فقد رأى جماعة من الحفاظ ان يفردوا للحديث النبوي بما يرويه كل صحابي من احاديث في مختلف القضايا؛ دون التقيد باعتبارات التصحيح والتوثيق، اي سواء كان مما يحتج به ام لا، وسواء كان راويه ثقة او غير ثقة { مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل الاول.}. والمساند التي ظهرت خلال هذه الفترة وما بعدها كثيرة جداً، فقد عدد البعض اثنين وثمانين مسنداً خلال القرنين الثالث والرابع للهجرة، واغلبها اصبح في عداد المفقود، ولم يبق منها الا الشيء القليل.

وتختلف هذه المرحلة عن سابقتها بميزتين: فاولاً انها اهتمت بكتب المساند التي افردت فيها لكل صحابي الاحاديث المروية عنه، وذلك على خلاف المرحلة السابقة التي عولت على فكرة التبويب حسب الموضوعات دون ان تفرد لاحد شيئاً من الحديث الجامع. وثانياً هو ان هذه المرحلة بخلاف سابقتها لا تعول على المرسل والمنقطع من الحديث.

وتعود اهمية هذه المرحلة الى ما كان لها من تأثير بالغ على فكرة كتابة الحديث المتصل الصحيح كما دشنها الامام محمد بن اسماعيل البخاري (المتوفى سنة 256هـ) فصنف كتابه (الجامع المسند الصحيح) كاول مصنف توخى به الصحيح من احاديث النبي. وجاءت هذه الفكرة كمحاولة للجمع بين كمال مرحلة التبويب وكمال مرحلة المساند مع ترك ما اتصفا به من نقاط ضعف، فعول البخاري على ما اهتمت به مرحلة التبويب من توخي الحديث الصحيح مع ترك المرسل والمنقطع، كما عول على مرحلة المساند باخذ الاتصال في الحديث المؤدي الى النبي مع اهمال الحديث الضعيف. وبذلك اصبحت فكرة الحديث المتصل الصحيح فكرة مألوفة سار عليها العديد من اصحاب المصنفات الحديثية، مثل مسلم بن الحجاج وابي داود والترمذي والنسائي.

وقيل ان شروط الحديث الصحيح هو ان يكون الحديث متصل السند، وتام الضبط، وعدل الرجال، وليس فيه علة ولا شذوذ { ابن حجر العسقلاني: نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر، مكتبة سحاب السلفية الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته): www.sahab.org، المقدمة. والنكت على كتاب ابن الصلاح، ملتقى أهل الحديث الالكترونية، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ج1، فقرة صفات القبول (لم تذكر ارقام صفحاته). }.

وعُرف البخاري انه لم يلتزم باخراج جميع ما يحكم بصحته من الاحاديث، وكذا هو الحال مع مسلم. وروي عن الاول انه قال: لم أخرج في هذا الكتاب الا صحيحاً وما تركت من الصحيح أكثر {مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل الاول. ومحمد بن طاهر المقدسي: شروط الائمة الستة، علق عليه محمد زاهد الكوثري، دار زاهد القدسي، القاهرة، 1357هـ، ص12، ومحمد بن إسماعيل الصنعاني: توضيح الأفكار لمعاني تنقيح الأنظار، تحقيق محمد محي الدين عبد الحميد، نسخة دار التراث، نشر المكتبة السلفية، المدينة المنورة، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ج1، ص55، وابو يعلى الحنبلي: طبقات الحنابلة، شبكة المشكاة الالكترونية الالكترونية، ج2، مادة: محمد بن إسماعيل البخاري (لم تذكر ارقام صفحاته).}. وكذا روي عن مسلم انه قال: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته ههنا - يعني في كتابه الصحيح - إنما وضعت ههنا ما أجمعوا عليه { مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل العاشر.}.

وذكر ابن الصلاح ان الاحاديث في صحيح البخاري بلغت اكثر من سبعة الاف حديث (7275) مع المكرر، وبلغت من غير المكرر اربعة الاف حديث. لكن بحسب تحقيق الحافظ ابن حجر فان الاحاديث بلغت اكثر من تسعة آلاف حديث (9082) مع المكرر { مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل العاشر.}. وقيل انه يزيد عدد احاديث البخاري في رواية الفربري على عددها في رواية ابراهيم بن معقل النسفي بمائتين { طبقات الحنابلة، ج2، مادة: محمد بن إسماعيل البخاري).}، ويزيد عددها عند هذا الاخير على عددها عند حماد بن شاكر النسفي بمائة { تعليق الكوثري على: شروط الائمة الخمسة للحازمي، علق عليه محمد زاهد الكوثري، وهو مطبوع خلف كتاب شروط الائمة الستة للمقدسي، دار زاهد القدسي، القاهرة، 1357هـ، ص58}. وهذه الزيادات وما ينقل من الاختلاف في عدد احاديث البخاري تستدعي التحقيق لمعرفة ما اذا كان قد اصابها شيء من الوضع والدس ام لا. فعلى الاقل ثبت ان هناك من اجتهد واصلح ما بدا له من نقص في النسخة المعتمدة من الجامع الصحيح { انظر: أبو الوليد الباجي: التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح، دراسة وتحقيق أحمد لبزار، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج1، ص287، وتعليق الكوثري على: شروط الائمة الخمسة، ص57ـ58 }.

اما احاديث مسلم فقد بلغت بلا تكرار نحو اربعة الاف حديث { مقدمة فتح الباري. وابن كثير: اختصار علوم الحديث، شبكة المشكاة الالكترونية، فقرة عدد ما في الصحيحين من الحديث (لم تذكر ارقام صفحاته). }، وبالتكرار فقد زادت على عدة كتاب البخاري بكثرة طرقه، وبلغت الاحاديث بالمكرر اثنا عشرة ألف حديث { توضيح الافكار، ج1، ص58}.

وقيل ان البخاري خرّج من الرواة الذين روى عنهم في جامعه الصحيح بما لا يتجاوز الالفين، فهو لم يخرج على ذلك جميع الرواة الذين روى عنهم، مثلما لم يخرج جميع الصحيح من الحديث { شروط الائمة الخمسة، ص47ـ48}، فله كتاب (التاريخ الكبير) جمع فيه اسامي من روى عنهم الحديث من زمان الصحابة الى (سنة 205هـ) فبلغ عددهم قريباً من (40 الف) رجل وامرأة، ومن هؤلاء ما يقارب الفين هم موضع خلاف بين البخاري ومسلم، وقد بلغ عدد الذين جرحهم النقاد (226) رجلاً فقط، مما يعني ان اغلبهم ثقات، فالدرجة الأولى من الرواة محتج بهم في الصحيحين، واغلب ما تبقى هم من الثقات { الحاكم النيسابوري: المدخل إلى الإكليل، شبكة المشكاة الالكترونية (لم تذكر ارقام صفحاته ولا فقراته). }.

وقد استخدم البخاري ومسلم اداة العنعنة في اواسط الاسنادات التي غطت رواياتهما، وقلما اخرجا حديثاً لم تتكرر فيه هذه الاداة. ومن الواضح ان ذلك لا يدل على السماع المباشر. ويؤيده ان بعض علماء السلف كان لا يأخذ عن شيخه من التابعين ما لم يؤكد سماعه بلفظ الثنا (حدثنا)، فكما جاء عن شعبة انه قال: كنت أنظر إلى فم قتادة فإذا قال حدثنا كتبنا عنه فوقفته عليه، وإذا لم يقل حدثنا لم أكتب عنه { التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح، ج1، ص268}.

مشاكل الحديث السني

اذا كانت رغبة البيانيين ان يجدوا في الحديث النبوي ضالتهم المنشودة في التغطية الكفائية لقضايا العقيدة والشريعة، فان حقيقة الحال هو ان هذه الرغبة تصطدم بعدد من المشاكل العسيرة، نذكر منها ما يلي:

اولاً

يلاحظ ان العصر الذي تلا الصحابة حتى القرن الثاني للهجرة شهد كثرة المراسيل والمنقطعات، في حين كانت المدونات الحديثية خلال القرن الثالث للهجرة غارقة بالاسناد المتصل وتجريد الحديث الصحيح. فما حدث في القرن الاخير وما بعده لم يكن معهوداً من قبل.

والسؤال الذي يرد بهذا الشأن: من اين اتت هذه الكثرة من الاسناد المتصل، ولماذا لم يطلع عليها التابعون وعلماء القرن الثاني للهجرة؟ وبعبارة اخرى كيف يمكن ان تكون مثل هذه الاسانيد مجهولة وغائبة عن السلف والتابعين مع قربهم من عصر الصحابة؟ ويؤيد ذلك ما قاله احمد بن حنبل: ثلاثة أمور ليس لها اصل او اسناد: التفسير والملاحم والمغازي. وذلك لأن الغالب عليها المراسيل { ابن تيمية: مقدمة في أصول التفسير، فصل حول الاختلاف في التفسير.}. فاغلب روايات هذه القضايا لا تتمتع بالصحة جراء غياب الاسناد المتصل، والقليل منها يمكن ان يحمل الاسناد المتصل الصحيح، مع ان كتب الصحاح حملت الكثير منها، خاصة في مجال التفسير.

وعلى هذه الشاكلة ان الاحاديث المتداولة قبل القرن الثالث للهجرة لم تكن كثيرة مثلما هي عليه في هذا القرن، وهو قرن المدونات الكبرى للحديث. حيث بدلاً من ان يذهب الكثير من الحديث بسبب موت الحفاظ وذهاب الذاكرة؛ فان جريان الحال شهد العكس من ذلك. فقد نقل عن احمد بن حنبل قوله: صح من الحديث سبعمائة الف حديث وكسر، مع اخذ اعتبار ما اعتبره بعض الحفاظ من ان مراده بذلك هو عدد الطرق وليس المتون { المدخل إلى الإكليل. وعبد الحي الكتاني: نظام الحكومة النبوية المسمى التراتيب الادارية، دار الكتاب العربي، بيروت، ج2، ص205}. وجاء ان ابن حنبل قال وهو يخاطب جماعة من الحضور: إن هذا الكتاب (المسند) قد جمعته وانتقيته من اكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً، فما اختلف المسلمون فيه من حديث رسول الله (ص) فارجعوا إليه؛ فإن وجدتموه فيه وإلا فليس بحجة { طبقات الحنابلة، ج1، مادة (حنبل بن إسحاق بن حنبل الشيباني)}.

وجاء ان يحيى بن معين قال: كتبت بيدي هذه ستمائة ألف حديث، فعلق أحمد بن عقبة على ذلك وقال: وإني أظن ان المحدثين قد كتبوا له بأيديهم ستمائة الف وستمائة الف { الجامع لاخلاق الراوي، ج2، فقرة 1532}.

وجاء ان إسحاق بن راهويه قال: كأني أنظر إلى سبعين ألف حديث من كتابي، فقال له البخاري: أو تعجب من هذا القول لعل في هذا الزمان من ينظر إلى مائتي ألف ألف من كتابه. وعلق ابن حجر على ذلك بانه عني نفسه { مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل العاشر.}. وقد اخرج البخاري صحيحه من ستمائة ألف حديث، وانه كان يقول بانه يحفظ مائة ألف حديث صحيح ومائتي ألف حديث غير صحيح. ونقل عن البخاري انه قال: ما نمت البارحة حتى عددت كم أدخلت في تصانيفي من الحديث فإذا نحو مائتي ألف حديث. وقال أيضاً لو قيل لي تمنّ لما قمت حتى أروي عشرة آلاف حديث في الصلاة خاصة { مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل العاشر}. كما قيل انه عمل كتاباً في الهبة فيه نحو (500) حديث، مع انه ليس في كتاب وكيع في الهبة إلا حديثان مسندان أو ثلاثة، وفي كتاب عبد الله بن المبارك خمسة أو نحوها { مقدمة فتح الباري، ضمن نفس الفصل السابق.}.

ولا شك ان هذه الاعداد الضخمة من وفرة الحديث وحفظه تبعث المرء على التفكير والتأمل، اذ كيف غابت هذه الاحاديث عن القرن الثاني؟ فقد علمنا ان مالكاً رغم تحريه فانه لم يكن يملك من الحديث اعشار اعشار ما ذكر من اكداس الحديث، وحتى ان الحديث الذي استطاع تحصيله انما الكثير منه من المراسيل والمنقطعات، وكان مع ذلك متشككاً غاية التشكك فيما جمعه من الحديث، وكان ينقص منه شيئاً فشيئاً طوال حياته، رغم قرب عهده بالصحابة مقارنة مع علماء القرن الثالث للهجرة. فكيف انقلب الموقف وتحول الحال الى التفاخر بكثرة ما يوجد من الحديث وحفظه؟ فمن اين جاءت هذه الاكداس من الاحاديث الموصولة المتصلة والصحيحة السند؟

وقد يقال في الجواب عما سبق ان هذه الكثرة جاءت بفعل البحث عن المزيد من الحفاظ في مختلف البلاد الاسلامية دون التوقف عند حدود منطقة ما، كالمدينة والحجاز التي اكتفى بها مالك في جمع حديثه. وقد طاف البخاري مختلف البقاع الاسلامية بحثاً عن حفظة الحديث الثقاة، واستطاع ان يجمع ما امكنه من الحديث، حتى قال فيما جمعه من البصرة: ما تركت بالبصرة حديثاً الا كتبته { مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل العاشر.}. وعليه لو فعل مالك او غيره من علماء القرن الثاني مثل ما فعل البخاري وغيره لتوصل الى نفس النتيجة التي توصل اليها هذا الاخير تقريباً.

لكن هذا الجواب غير كاف، وذلك لعلمنا ان الكثير من علماء السلف قد شككوا في الاحاديث التي لم يكن لها اصل في الحجاز. وقد كان الشافعي يقول: كل حديث لا يوجد له اصل في حديث الحجازيين فهو واه وإن تداولته الثقات { ابو بكر الهمذاني: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الاثار، نشر وتعليق وتصحيح راتب حاكمي، مطبعة الاندلس، حمص، الطبعة الاولى، 1386هـ ـ1966م، ص15}. ومع هذا فقد كان مالك لا يعول على الكثير من مشايخ المدينة ولا يأخذ الحديث منهم، معللاً ذلك بانهم ليسوا من اهل هذا الشأن { الكفاية في علم الرواية (باب ترك الاحتجاج بمن لم يكن من أهل الضبط والدراية).

ومما يلفت النظر انه رغم ارتباط تلك الفترة وما قبلها بعصر الصحابة فانها مع ذلك لم تسلم من الاختلاف والشكوك حتى بالنسبة للسنن والممارسات التي يتم مزاولتها يومياً، ومنها تلك التي لها علاقة بالصلاة. فكما ذُكر ان ابن عمر وهو عميد أهل المدينة كان يرى إفراد الأذان، وكذا القول فيه: حي على خير العمل، وكان بلال يكرر عبارة: قد قامت الصلاة، مع ان مالكاً لم يرَ ذلك. كما ان الزهري كان يرى الزكاة في الخضراوات، في حين ان مالكاً لا يراها. وقد قال الصيرفي في كتابه (الأعلام): >قد تصفحنا قول من قال: العمل على كذا، فوجدنا اهل بلده في عصره يخالفونه، كذلك الفقهاء السبعة من قبله فانه مخالفهم، ولو كان العمل على ما وصفه لما جاز له خلافهم<. وقيل ان مالكاً كان لا يدع في موطئه إجماع أهل المدينة إلا في ثمان وأربعين مسألة فقط. وهناك من تتبع هذه الاجماعات المزعومة فوجد منها ما هو إجماع , ومنها ما لم يكن اجماعاً لاختلاف علماء المدينة، وذكر من ذلك الكثير من التناقضات على شاكلة ما سبق { البحر المحيط، فقرة 1217}.

فهذا حال السنن والعمل المزاول يومياً فكيف الحال بغيرها من الاحاديث القولية؟!

ثانياً

هناك مظاهر لعصر التابعين وتابعيهم هي على الضد مما شهده القرن الثالث وما بعده. فقد شهد العصر الاول شكوى من الزمان وكثرة الجهال، الى الدرجة التي قيل فيه انه قد تم تبديل الكثير من الاحكام والسنن بفعل اهل البدع والاهواء. ومن ذلك ما رواه ابن عبد البر في (جامع بيان العلم وفضله) حيث ذكر عدداً من الروايات التي تبدي هذا المعنى الذي جعل بعض السلف في حيرة من امره. ومن ذلك ما نقله عن الزهري انه قال: دخلنا على أنس بن مالك بدمشق وهو وحده يبكي، قلت ما يبكيك؟ قال لا أعرف شيئاً مما أدركت إلا هذه الصلاة وقد ضيعت { جامع بيان العلم وفضله، باب في انكار أهل العلم ما يجدونه من الأهواء والبدع.}. ومثل ذلك روى البخاري عن أم الدرداء انها قالت: دخل عليّ أبو الدرداء وهو مغضب، فقلت: ما أغضبك؟ فقال: والله ما أعرف من أمة محمد (ص) شيئاً، إلا أنهم يصلون جميعاً { صحيح البخاري، ضبطه، ورقمه ووضع فهارسه مصطفى ديب البغا، شبكة المشكاة الالكترونية، حديث 622 }. وجاء عن الحسن البصري انه قال: لو خرج عليكم أصحاب رسول الله (ص) ما عرفوا منكم إلا قبلتكم { جامع بيان العلم وفضله، الباب السابق.}.

فهذه الشكوى التي يصفها لنا عدد من حفاظ القرنين الاول والثاني من السلف؛ لا نجد مثلها لدى حفاظ القرن الثالث الذين ابدوا اعتدادهم بما حملوه من العلم وضبطوه من السنة والحديث الصحيح. وقد ابدى التابعون وتابعوهم كراهة الانشغال بالحديث والاشتغال فيه، واظهر بعضهم الندامة فيما شغلوا انفسهم به، الى الدرجة التي اعتبروا التعامل بالحديث من الشر. والغريب ان تعليلهم للشر في الحديث هو تزايده، باعتبار ان الخير ينقص والشر يزداد. وهذا يعني انهم لو ادركوا المسلك الذي سلكه خلفهم من اصحاب المساند والصحاح؛ لوصموه بابلغ حالات الشر والكراهة.

وقد اورد ابن عبد البر نصوصاً مستفيضة عنهم تعلن صراحة كراهة الانشغال بالحديث والاشتغال فيه، واعتبار ذلك من الشر المتزايد، وبعض هذه النصوص يعلل هذه الكراهة لكثرة الكذب في الحديث، واخر يعللها بانها تأتي على حساب الانشغال بالقرآن وذكر الله. لذلك ظهر لدى الكثير منهم الندم والرغبة في سد باب هذا >الشر المستطير<. وكما قال سفيان الثوري: لو كان في هذا الحديث خير لنقص كما ينقص الخير، ولكنه شر فأراه يزيد كما يزيد الشر { جامع بيان العلم وفضله، باب ذكر من ذم الاكثار من الحديث.).}.

فذلك ما رآه التابعون وتابعوهم في الحديث، وهو انه من الشر المتزايد وقد وصوا بالابتعاد عنه وعدم الانشغال به والاشتغال فيه، الامر الذي لم يلتزم به اصحاب الصحاح، اذ رأوا الخير في الاشتغال به والعمل على تكثيره.

كما يلاحظ ان الحديث ما إن دخل التدوين والتبويب في ارض الحجاز حتى بدت فيه علامات الشك والتردد من قبل مدونيه. فرغم ان منبته اصح منبت باعتراف العلماء، ورغم قرب العهد بالصحابة مقارنة مع ما بعده من العهود؛ فمع ذلك كانت الشكوك تراود اولئك الذين نذروا انفسهم لنقله وتدوينه، معترفين بالجهل وقلة البضاعة. وهو خلاف ما شعر به حفاظ القرن الثالث الهجري وما بعده، حيث ابدوا الثقة التامة في الحديث، كما فخروا بالعلم به والاكثار منه، رغم تباعد الزمان والمكان عن مصدر الحديث ومنبته. فالمقارنة بين ما سلكه مالك وما سلكه اصحاب الصحاح في الموقف من الحديث يكشف عن هذه الحقيقة. فبينهما تفاوت بالقرب والبعد عن مصدر الحديث ومنبته، كما بينهما تفاوت في قلة الحديث وكثرته، وكذا التردد به والثقة فيه. فرغم ان مالكاً عاش في منبت الحديث وانه كان اقرب نسبياً عن مصدره فان ذلك لم يمنعه عن التردد فيه والاقلال منه باستمرار. وقد فخر بعض المالكية بما كان يسقطه مالك من موطئه كل سنة، وانه لم يحدّث بكثير مما كان عنده { ابن حزم: الاحكام في أصول الاحكام، ج2، ص247 }، وذلك على عكس ما فعله اصحاب الصحاح رغم بعدهم عن المنبت والمصدر، حيث لم يمنعهم ذلك من الثقة في الحديث والاكثار منه دون ان يصيبهم التردد والشك جراء هذه الكثرة والبعد عن المصدر، وكذا التعويل على الاماكن البعيدة عن المنبت كالبصرة والشام ومصر وغيرها. يضاف الى ان مالكاً كان يعترف في كثير من الاحيان بعدم اغتراره بالحديث واعتبار الكثير منه ضلالة، ومن ثم ندامته على ما رواه منه، ومن ذلك قوله: كثير من هذه الأحاديث ضلالة، لقد خرجت مني أحاديث لوددت أني ضربت بكل حديث منها سوطين وأني لم أحدث به { الخطيب البغدادي: نصيحة أهل الحديث، شبكة المشكاة الالكترونية، ص34 }. وهو على خلاف ما كان يصرح به اصحاب الصحاح من الاعتزاز بعلمهم وتباهيهم بكثرة حفظهم، واعتدادهم بأنفسهم احياناً، كالذي يبديه البخاري في عدد من المناسبات، ومن ذلك انه قال يوماً: ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني. فعلق هذا الاخير على قوله عندما بلغه ذلك فقال: دعوا قوله فإنه ما رأى مثل نفسه { مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل العاشر.}.

ومما له دلالة في الامر ان جماعة من التابعين قد تركوا الكثير من الحديث عندما وجدوا عمل الناس في المدينة على خلافها، وقد التزم مالك وغيره بهذا المسلك، وهو ان عمل اهل المدينة عنده اقوى من الحديث. وجاء ان عمر بن عبد العزيز كان يجمع الفقهاء ويسألهم عن السنن والاقضية المعمول بها في المدينة فيثبتها، وما كان منها لا يعمل به الناس القاه وإن كان مخرجه من الثقاة { انتصار الفقير السالك، ص202}.

ثالثاً

لقد اعتمد اصحاب الصحاح وغيرهم من المهتمين بالحديث على المكثرين في الرواية من الصحابة، وهو خلاف السيرة التي عليها كبارهم، حيث كانوا من المقلين في الحديث لخوفهم من الكذب على النبي والانشغال بما سوى القرآن، كالذي مر علينا من قبل. فقد عرف من صغار الصحابة سبعة بلغت روايات كل منهم اكثر من الف حديث، وليس في غيرهم من زاد على الالف { الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج4، باب الكلام في وجوه الفضل والمفاضلة بين الصحابة. وجمال الدين القاسمي: قواعد التحديث، شبكة المشكاة الالكترونية، ص71 }، وهم عبارة عن: ابي هريرة الذي بلغت احاديثه عن النبي (5374) وعبد الله بن عمر (2630) وانس بن مالك (2286) وعائشة (2210) وعبد الله بن عباس (1660) وجابر بن عبد الله (1540) وأبي سعيد الخدري (1170) { اخرج البخاري لهؤلاء من الاحاديث المذكورة ما يلي: روى عن ابي هريرة (446) حديثاً، وعن عبد الله بن عمر (270) حديثاً، وعن انس بن مالك (268) حديثاً، وعن عائشة (242) حديثاً، وعن عبد الله بن عباس (217) حديثاً، وعن جابر بن عبد الله (90) حديثاً، وعن أبي سعيد الخدري (66) حديثاً (مقدمة فتح الباري، ضمن الفصل العاشر). }. اما سائر الصحابة فرواياتهم لا تعد بشيء سوى عدد محدود منهم، حيث روي عن عبد الله بن مسعود اكثر من (800) حديث { اخرج له البخاري منها (85) حديثاً (مقدمة فتح الباري، ضمن نفس الفصل).}، وجاءت احاديث الامام علي (586) قيل انه لم يصح منها الا خمسون { اخرج له البخاري منها (29) حديثاً (مقدمة فتح الباري). }، اما عمر فاحاديثه قد قدرت بـ (537) حديث لم يصح منها كما قيل الا خمسون { اخرج له البخاري منها (60) حديثاً (مقدمة فتح الباري، ضمن نفس الفصل).}، في حين كانت احاديث ابي بكر (142) حديثاً { اخرج له البخاري منها (22) حديثاً. ويبقى ثالث الخلفاء الراشدين عثمان حيث اخرج له البخاري تسعة احاديث فقط (مقدمة فتح الباري، ضمن نفس الفصل).}.

والغرض من كل ما سبق هو ان اصحاب الصحاح والمكثرين من الحديث قد غايروا سيرة كبار الصحابة في عدة امور؛ اهمها الاكثار من الحديث والاشتغال فيه، وانهم استعانوا في الغالب بمن كان متروكاً لدى الصحابة رغم ان هؤلاء عايشوا النبي وعرفوا حال حديثه. حتى ان الحافظ الذهبي شعر بهذا المأزق، ولو ضمن الحدود التي سمحت له ذلك، اذ روى عن ابي هريرة قوله: إني لأحدث أحاديث لو تكلمت بها في زمن عمر لشج رأسي، وعلق عليه فقال: >هكذا كان عمر رضي الله عنه يقول أقلوا الحديث عن رسول الله (ص) وزجر غير واحد من الصحابة عن بث الحديث، وهذا مذهب لعمر ولغيره، فبالله عليك إذا كان الإكثار من الحديث في دولة عمر كانوا يمنعون منه مع صدقهم وعدالتهم وعدم الأسانيد، بل هو غض لم يشب، فما ظنك بالاكثار من رواية الغرائب والمناكير في زماننا مع طول الأسانيد وكثرة الوهم والغلط، فبالحري أن نزجر القوم عنه فياليتهم يقتصرون على رواية الغريب والضعيف بل يروون والله الموضوعات والأباطيل والمستحيل في الأصول والفروع والملاحم والزهد، نسأل الله العافية< { سير أعلام النبلاء، ج2، فقرة 602 }.

وهذا الذي ذكره الذهبي لا يعفي اصحاب التكثير في الحديث من القدماء، مع علمهم انه لو كان عمر حياً بينهم لما سامحهم في ذلك، خاصة ان غالب تعويلهم على اولئك الذين منعهم عمر من الرواية، وعلى رأسهم ابو هريرة.

هكذا لو اجرينا مقارنة بين موقف كبار الصحابة من الحديث وبين مرحلة التكامل لدى الصحاح؛ لوجدنا فروقاً كبيرة في عدد من النقاط، حيث جرى لاصحاب الصحاح من العمل ما هو ضد المسلك الذي سار عليه كبار الصحابة رغم قرب عهدهم من النبي. اذ كان الصحابة يخافون من الخطأ والكذب على النبي، وانهم لاجل ذلك منعوا التدوين واقلوا الرواية وتثبتوا من الحديث غير المعروف، وجعلوا كفايتهم الرئيسة بالقرآن والسيرة العملية للنبي، ولم يعتنوا بالاسناد والرجال، ومنعوا من الانشغال بالحديث والاشتغال فيه، وعاقبوا من خالف ذلك. لكن هذه الامور قد انقلبت الى الضد في عهد الصحاح وقبله.

ومن العجب ان يعترف الحفاظ بما كانت عليه سيرة الصحابة من التحفظ في الحديث والنهي عن الاكثار منه؛ خشية الخطأ والكذب على النبي، او لغرض عدم الانشغال بسوى القرآن. فهذا الاعتراف لم يمنع اصحاب الصحاح والموسوعات الحديثية من العمل بعكس ما كان عليه كبار الصحابة، رغم الفاصلة الزمنية الطويلة التي تفصلهم عن زمن النبي. وقد نقل عن عثمان بن عفان انه كان يمنع الرواية التي لم تسمع في عهدي الخليفتين قبله لبعد زمانه عن زمن الحديث { ابو جعفر الطحاوي: مشكل الاثار، شبكة المشكاة الالكترونية، ج1، ص65، والمتقي الهندي: كنز العمال في سنن الاقوال والافعال، مكتبة نداء الايمان الالكترونية، حرف العين، حديث 29490 }، فماذا يقال عن البعد الذي يفصل بين زمن اصحاب الصحاح وزمن الحديث؟!

رابعاً

قيل ان عدد الذين رووا عن النبي من الصحابة هم أربعة آلاف رجل وامرأة { المدخل إلى الإكليل.}. كما قيل ان عددهم كبير غير قابل للضبط، وقد سئل ابو زرعة الرازي عن ذلك فقال: من يضبط هذا، شهد مع النبي (ص) حجة الوداع أربعون الفاً، وشهد معه تبوك سبعون الفاً { مقدمة ابن الصلاح، باب معرفة الصحابة).}. وعلى رأي ابن حزم ان عدد الصحابة يفوق العشرين الف انسان { ابن حزم الاندلسي: النبذ في أصول الفقه، شبكة المشكاة الالكترونية.، ص26 }.

لكن رغم العدد الكبير للصحابة وان الكثير منهم روى عن النبي؛ الا ان علماء الحديث طبقوا عليهم مبدأ التسامح والتعديل وحملوهم على الاخلاص والتقوى، فغضوا الطرف عما وقع بينهم من خلافات افضت في كثير من الاحيان الى الاقتتال واتهام بعضهم البعض الاخر، وكذا غضوا الطرف عما كان لبعضهم من مواقف سياسية ومصلحية هي ابعد ما تكون عن روح الاسلام وقيمه. والمشكلة هي ان هؤلاء العلماء حيث افترضوا العدالة في جميع الصحابة؛ اخذوا يتقبلون كل رواية ترد عنهم، سواء كانوا كباراً او صغاراً، وسواء كانوا ممن تمسك بهدي الاسلام وقيمه، او كانوا ممن فتنوا بفتنة السياسة والمصالح الشخصية. ومن ذلك انهم تقبلوا منهم التدليس ورفع الحديث، وكما علق الذهبي على ما ذكره شعبة من ان أبا هريرة كان يدلس، فقال: ان تدليس الصحابة كثير ولا عيب فيه، فإن تدليسهم عن صاحب أكبر منهم، والصحابة كلهم عدول { سير أعلام النبلاء، ج2، فقرة 608 }.

مع ان هذا المنطق يفضي الى التناقض وعدم الاتساق، ذلك انه اذا كانت صفة الرفع والتدليس مقبولة عن الصحابة لعدالتهم، فكيف لا تقبل عن غيرهم من الرواة العدول؟ وبعبارة اخرى، لماذا شدد اصحاب الصحاح على الشرط الخاص بالاسناد المتصل والسماع المباشر؛ بلا ارسال ولا تدليس، رغم افتراضهم العدالة في الرواة مثل تلك التي افترضوها في الصحابة؟

فالاتساق يدعو إما الى الاخذ بالمرسل والمدلس عن جميع الرواة العدول صحابة وغير صحابة، او الترك عنهم جميعاً بلا تمييز ولا استثناء. هذا اذا كان الامر يرتبط بالعدالة، اما لو اخذنا بحساب عناصر اخرى فاعلة كقرب الاسناد وما اليه فسيكون الامر مختلفاً، حيث تصبح علة الاخذ عن الصحابة لا لكونهم عدولاً فحسب، بل لقربهم من عصر النبي. لكن ذلك سوف يفضي الى قبول المرسل والمدلس العائدين الى التابعي؛ لذات العلة المذكورة من العدالة والقرب، وهو ما لم يراعه الحفاظ واصحاب الصحاح.

ومثلما اقتضى مبدأ التكثير في الرواية التعويل على عدالة الصحابة، فانه اقتضى التسامح ايضاً في توثيق الرواة. وقد كان الخطيب البغدادي يشير الى ان غلبة الظن بالعدالة لا تعرف الا باختبار احوال الراوي وافعاله {الكفاية في علم الرواية، باب الرد على من زعم أن العدالة هى إظهار الإسلام وعدم الفسق الظاهر. وعلى شاكلته ذهب الزركشي في كتابه (البحر المحيط، فقرة 1058). }. وهو رأي سليم، لكنه يواجه مشكلة في التطبيق على الرواة الماضين، حيث ليس من السهل التدقيق في احوالهم واختبار افعالهم. لذلك تجد كتب الجرح والتعديل مشحونة بالكلمات القليلة في التعريف بالراوي، كأن يقال عنه ضعيف او ثقة او ليس بشيء او غير ذلك، كما هو حال البخاري في تاريخه الكبير، اذ لا يذكر تفاصيل حول الرواة. وهي لا تفيد شيئاً في البحث الدقيق عن احوال الرجال، ومع ذلك فان البخاري قد خرّج للكثير منهم في صحيحه، بل واحتج بجماعة سبق لغيره ان جرحهم، كعكرمة مولى بن عباس وكاسماعيل بن أبي أويس وعاصم بن علي وعمرو بن مرزوق وغيرهم، واحتج مسلم بسويد بن سعيد وجماعة اشتهر الطعن فيهم {مقدمة ابن الصلاح، باب معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد روايته.}. واعتبر النووي في شرحه لصحيح البخاري ان ما ضعفه البعض من احاديث الشيخين انما هو مبني على علل ليست قادحة { قواعد التحديث، ص189 }.

وذهب ابن الصلاح الى ان المسؤولية تقع على عاتق ائمة الحديث في الجرح، حيث قل ما يتعرضون فيها لبيان السبب في الجرح، بل يقتصرون على مجرد القول فلان ضعيف وفلان ليس بشيء ونحو ذلك، أو هذا حديث ضعيف وهذا حديث غير ثابت ونحو ذلك { مقدمة ابن الصلاح، باب معرفة صفة من تقبل روايته ومن ترد روايته. }.

ومن الناحية المنطقية يفترض ان يجرى هذا الحال على التعديل لا الجرح فقط، وذلك لان نوازع النفس غامضة ودوافعها مختلفة. فمثلما يقال ان الجرح لا يقبل الا مفسراً مبين السبب، فكذا يفترض ان يقال الشيء نفسه في التعديل، مما يتطلب معرفة احوال الرواة دون الاكتفاء بالعبارات القليلة التي تحدد مسلك الراوي وعدالته. ومع ان هناك من يذهب فعلاً الى لزوم ذكر سبب التعديل، كما في الجرح، كالذي ذهب اليه الماوردي { البحر المحيط، فقرة 1067 }، لكن من الناحية العملية يتعسر حل المشكلة، وذلك لقلة معرفة احوال الرجال، خاصة من هم في عداد الموتى، وهم الغالب الاعظم. وهذا ما جعل اصحاب الصحاح يضفون عليهم سمة التعديل بلا توقف، ومن ذلك ما جاء في (الميزان) للذهبي بان في الصحيحين عدداً كثيراً من الرواة لم تثبت وثاقتهم، وبحسب جمهور الحفاظ ان من كان من المشايخ قد روى عنه جماعة ولم يأت بما ينكر عليه فحديثه صحيح. وقال الذهبي: ان في الصحيحين خلقاً كثيراً مستورون ما ضعفهم احد ولا هم بمجاهيل { تعليق الكوثري على: شروط الائمة الخمسة، ص46}. وربما يميل الحفاظ الى التسامح في التجريح لحفظ اكبر قدر ممكن من الرواية والحديث، وكما جاء عن يحيى بن سعيد القطان انه قال: لو لم أحدث إلا عن كل من أرضى لما حدثت إلا عن خمسة { التعديل والتجريح لمن خرج عنه البخاري في الجامع الصحيح، ج1، ص260 }. كما قد يكون ذلك لشعورهم ان الواجب الديني يتطلب منهم التوثيق قبل التجريح؛ شبيه بحال التعامل مع المؤمنين في الحالات العادية، فعند التعارض يقدم الاول على الاخر كي لا يكون هناك امتهان لكرامة المسلم.

هكذا فان الاصل لدى ائمة الحديث هو التوثيق والتعديل ما لم يثبت العكس، وهم بقدر ما تسامحوا في التجريح لم يشددوا في التعديل، وقد انعكس ذلك على تساهلهم مع اولئك الذين كانت لهم صلات حسنة بالسلطات الظالمة، وعلى رأسهم المسؤول الاول عن تدوين الحديث.

خامساً

من المعلوم ان اغلب المتون في الروايات قد نقلت بالمعنى، وجرى على الكثير منها اللحن قبل التدوين، مما اقتضى اعراب الحديث وتصحيحه بعد ان تداوله الاعاجم، فكان بهذا عرضة للتبديل والتحوير، وكذا الزيادة والنقصان.

وقد اجاز اغلب علماء السلف من التابعين وغيرهم الرواية بالمعنى، وبعضهم اعتبر انه لا وجود لحديث لم يحصل فيه تغيير. ومن ذلك ما جاء عن واثلة بن الأسقع انه قال: حسبكم إذا جئناكم بالحديث على معناه { جامع بيان العلم وفضله، باب الأمر بإصلاح اللحن والخطأ في الحديث. وأبو خيثمة النسائي: كتاب العلم، مكتبة يعسوب الدين الإلكترونية، ص26 }. كما قال سفيان الثوري: لو أردنا أن نحدثكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحديث واحد { الذهبي: تذكرة الحفاظ، مراجعة عبد الرحمن بن يحيى المعلمي، دار الكتب العلمية، بيروت، 1374هـ، عن شبكة المشكاة الالكترونية، ج1، فقرة 198 (لم تذكر ارقام صفحاته). والكفاية في علم الرواية، باب ذكر من كان يذهب الى إجازة الرواية على المعنى من السلف. }.

وهذا الحال جعل اطرافاً عدة تشترك في صياغة الحديث، يبدأ من النبي (ص) فيتحول بالتدريج الى الرواة الملحنين، ثم بعدهم المعربين المصلحين، فيتضاعف الشك في المعنى الذي اراده له صاحبه، ناهيك عن الاعتبارات الاخرى من طول سلسلة السند وكثرة العنعنة بما لا يدل على السماع المباشر، وكذا قلة فهم الرواة وعدم دقة السماع او التساهل فيه كما في المستملين الذين يكتبون ما يملى عليهم من غير سماع كاف مثلما عرفنا، وكذا تقطيع الاحاديث وتجريدها عن سياقها اللفظي والحالي.

وكان من جراء مثل هذه التغيرات أن ظهر الكثير من الاختلاف في الرواية للقضية الواحدة. وقد اجاز بعض السلف مثل هذا الاختلاف، مستشهداً انه اذا كان من الجائز ان ينزل الله كتابه على سبعة أحرف ليتسامح في قراءته، فان رواية الحديث الذي تختلف الفاظه تصبح جائزة بالاولى { قواعد التحديث، ص311).}. مع ان النقل يصل في كثير من الاحيان الى اختلاف المعنى للقضية الواحدة، والى التعارض ايضاً. فمثلاً جاء في حديث الشؤم والطيرة عبارات مختلفة بعضها دال على التعارض { مشكل الاثار، حديث 117، كما لاحظ روايات صحيح البخاري بهذا الصدد: باب الطيرة، وباب لا هامة ولا صفر، وباب لا هامة، وباب لا عدوى، وباب ما يذكر من شؤم الفرس، وباب ما يتقى من شؤم المرأة. وكذا لاحظ روايات صحيح مسلم: باب الطيرة والفأل ما يكون فيه من الشؤم، وباب لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ولا نوء ولا غول ولا يورد ممرض على مصح. }.

وقد روي أن الزبير سمع رجلاً يحدث عن رسول الله (ص) فاستمع له الزبير حتى إذا قضى الرجل حديثه، قال له الزبير: أنت سمعت هذا من رسول الله (ص) ؟ أجاب: نعم، فقال الزبير: هذا وأشباهه يمنعنا أن نحدث عن رسول الله (ص)، ولعمري سمعت هذا من رسول الله وأنا يومئذ حاضر ولكن رسول الله ابتدأ بهذا الحديث، فحدثنا عن رجل من أهل الكتاب حدثه إياه، فجئت أنت يومئذ بعد انقضاء صدر الحديث، وذكر الرجل الذي من أهل الكتاب فظننت أنه من حديث رسول الله { ابو الفرج ابن الجوزي: دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، حققه وقدم له حسن السقاف، دار الامام النووي، الطبعة الثالثة، 1413هـ ـ1992م، عمان ـ الاردن، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص167}.

فاذا كان هذا الحال في زمن الصحابة، فكيف يكون الحال بعدهم، والزمان قد طال، والكذب انتشر، ورجال السند كثروا؟!

سادساً

من الثابت ان علماء الحديث قلما يتعرضون الى نقد المتن، وغايتهم المثلى هي نقد السند فحسب. وغالباً ما يكون رفضهم لمتون بعض الاحاديث غير منفصل عن رفض السند. فالاعتراض على السند الضعيف قد يفضي في الوقت ذاته الى الطعن في المتن المختل، لكن وجود السند القوي لا يبعث على رفض مثل هذا الاخير. وعليه غالباً ما تكون الروايات المختلة المتن في الصحاح بعيدة عن التحقيق والنقد، وذلك بخلاف غيرها من الروايات التي ترد في الكتب الاخرى. فمثلاً يضطر العلماء احياناً الى تأويل الحديث قوي السند عندما لا يتفق ظاهره مع الواقع، كالحديث الوارد في صحيح مسلم: >لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم< { صحيح مسلم، شبكة المشكاة الالكترونية، ج4، حديث 2539 }، لكنهم يفعلون العكس فيما لو كان الحديث ضعيف السند، اذ يبادرون الى تكذيبه - دون تأويله - مثل الحديث القائل: >لا يولد بعد المائة مولود لله فيه حاجة<. فمع ان هذا الحديث يتفق ظاهره مع الحديث الوارد في صحيح مسلم، الا انه مكذب هنا ومؤول هناك. فقد قيل ان الحديث الاخير مخالف للواقع المشاهد، فأكثر الأئمة وأشهرهم ذكراً هم ممن ولدوا بعد القرن الاول للهجرة { مصطفى السباعي: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثالثة، 1402هـ ـ1982م، ص274 }. وعلى هذه الشاكلة حديث الحمّام، حيث رده العلماء معولين على الواقع التاريخي، وهو ان النبي لم يدخل حماماً قط، وان الحجاز في عصره لم تكن تعرف الحمامات. ومثل ذلك حديث وضع الجزية على أهل خيبر، حيث رده العلماء لأن الحوادث التاريخية لا تؤيده { السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي، ص274 }. في حين سعى جماعة من العلماء الى الدفاع عن احاديث وردت في صحيح مسلم تخالف بدورها الوثائق التاريخية بتأويلات بعيدة، كما هو الحال مع حديث تزويج ابي سفيان ابنته ام حبيبة للنبي (ص) وامارته للمسلمين في محاربة الكافرين.

وينطبق هذا الحال على الاحاديث الخاصة بالمسائل الطبية وما شاكلها، فعندما تتصف بضعف السند ولا تتفق مع ظواهر الحس والواقع فان العلماء يكذبونها، لكنهم لا يعترضون على امثالها من الاحاديث الواردة في الصحاح، بل تجد من يقول انه جرب مضمون الحديث الفلاني، او انه شهد صحته لدى ممارسة الناس، وذلك بدافع التقرير لا الفحص والاستجواب. والعملية أشبه بتسامح العلماء في دعاوى الاجماع الصادرة بين الحين والآخر، لذلك لم تعد حجة، للشك في صدقها، وانها كثيراً ما تكون معارضة بدعاوى مضادة.

هكذا فمع ان الصحاح تتضمن الكثير من الروايات المختلة المتن الا ان العلماء تعاملوا معها - في الغالب - معاملة المسلمات. ويأتي اختلالها كونها تتعارض اما مع الحقائق الحسية والكونية، او مع السنن الحياتية، او مع الاعتبارات التاريخية الموثقة، او مع القيم والضرورات الدينية، او مع النصوص القرآنية، او مع غيرها من متون الاخبار الاخرى. فمثلاً نجد في صحيحي البخاري ومسلم روايات متعارضة، وبعضها يعارض القرآن، كما ان بعضاً اخر يخالف الواقع العلمي والحسي، او يتصف بالخرافة الظاهرة وبالاساءة الى الانبياء. وكذا ان فيها صوراً من تشبيه الخالق وتجسيمه.

***

اخيراً فقد عرفنا ان هناك فروقاً جوهرية بين عصر الصحابة وعصر الصحاح والجوامع الحديثية ازاء الموقف من الرواية والحديث، ويمكن اجمال هذه الفروق بالنقاط التالية:

1ـ كان العصر الاول للصحابة يمنع تدوين الحديث وكتابته، في حين كان عصر الصحاح والجوامع الحديثية يشجع عليه.

2ـ كان العصر الاول يقل من الرواية، في حين كان العصر الاخير يكثر منها.

3ـ كان العصر الاول يتهم المكثرين للرواية ويتجنبهم، في حين كان العصر الاخير يعتمد عليهم.

4ـ كان العصر الاول يبدي تحفظاً من ان ينسب الحديث الى النبي، في حين كان العصر الاخير لا يتحفظ من ذلك.

5ـ كان العصر الاول يتثبت من الحديث غير المعروف؛ بالقسم او بطلب شاهد ثان رغم قرب العهد بالنبي، في حين كان العصر الاخير لا يعمل بمثل هذا التثبت.

6ـ كان العصر الاول لا يدقق في بحث الرجال والاسناد، في حين كان العصر الاخير يدقق في ذلك.

7ـ اخيراً كان العصر الاول يكره الانشغال بالحديث والاشتغال فيه؛ خشية ان يتبدل الدين الى دين اخر كالذي حصل مع اهل الكتاب. في حين كان العصر الاخير يشجع على الانشغال بالحديث والاشتغال فيه، ولا يخشى ان يتبدل الدين ازاء فعله المستحدث.

مشكلة الحديث عند الشيعة

آمن الشيعة بأصالة تدوين الحديث، واعتبروا ان الحديث لم تنقطع كتابته سواء في عهد النبي او بعده، حيث تولى الائمة واصحابهم تدوينه والحث على كتابته جيلاً بعد جيل.

وبحسب التحقيق يمكن القول ان التدويل العام لتدوين الحديث قد بدأ في عصر الامام الصادق وابيه الباقر خلال القرن الثاني للهجرة. وقد كانت المصنفات الحديثية لاصحاب الائمة واتباعهم كثيرة، ومن ذلك ان النجاشي عدد ما وقف عليه من المصنفين لاصحاب الائمة فبلغ لديه ما يقارب الف وثلاثمائة (1269) رجل { رجال النجاشي، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، تحقيق موسى الزنجاني، لم تذكر سنة النشر، ص462}. وضبط الحر العاملي عدد مصنفاتهم فبلغت اكثر من ستة الاف وستمائة كتاب { الحر العاملي: وسائل الشيعة، ج30، الفائدة الرابعة، ص166 و153ـ159، عن مكتبة الحديث الالكترونية التابعة لموقع الكاظم الالكتروني : www.alkadhum.org }.

وكان من بين هذه المصنفات ما يعرف بالاصول الاربعمائة. وقد اشتهرت في فترة الائمة، وان كان لم يعرف اول من اطلق عليها هذا الاسم من القدماء. ويرى البعض ان هذا العدد لا يشكل جميع المصنفات لاصحاب الائمة، بل هو العدد الذي شاع في فترة الامامين الباقر والصادق، وان مجموع المصنفات في عهد الائمة كبير لا يمكن احصاؤه.

وتعود اهمية هذه الاصول هو انها الفت في زمن الائمة، وكان عليها المعول لدى المتقدمين، وبعد ذلك اصبحت تشكل المادة الاولية لرواية الحديث عند علماء الشيعة بعد الغيبة، حيث كان الكثير منها شائعاً لدى اوساط العلماء، وقد اعتمد عليها اولئك الذين قاموا بجمع الحديث، وكان من ابرزهم اصحاب الكتب الاربعة المعتبرة الملقبين بالمحمديين الثلاثة، وهم كل من الكليني والصدوق والطوسي. ومع ذلك فان اغلب الكتب التي شاعت في تلك الفترة اخذت بالفقدان عبر الازمان المتأخرة، ولم يعد منها الا القليل. وبالنظر الى فقدانها فقد جرى خلاف بين العلماء المتأخرين حول مدى وثاقة هذه الكتب، وإن كان قد جرى عملهم الفعلي بما اعتمدوه على الكتب الجامعة التي قام بها المحمدون الثلاثة خلال القرنين الرابع والخامس للهجرة. وهي كتاب (الكافي في الاصول والفروع) للكليني، وكتاب (من لا يحضره الفقيه) للشيخ الصدوق، وكتاب (التهذيب) وكتاب (الاستبصار) وكلاهما لأبي جعفر الطوسي. وتعد هذه الكتب معتبرة لدى علماء الامامية الاثنى عشرية وان لم تكن كتب صحاح كالذي عليه صحاح اهل السنة، ويبلغ مجموع الاحاديث فيها مجتمعة ما يقارب خمسة واربعين الف (44244) حديث { محسن الامين: اعيان الشيعة، حققه واخرجه حسن الامين، دار التعارف، بيروت، ج1، ص144}.

ويعتبر كتاب (الكافي) للكليني اوثق كتب الحديث واهمها لدى علماء المذهب قاطبة. وقيل ان الكليني صرف عليه عشرين سنة يجوب فيها البلدان بحثاً عن الاصول وكتب الحديث المروية عن الائمة { رجال النجاشي، ص377 }، خاصة تلك التي رواها تلامذة الامام الصادق خلال القرن الثاني للهجرة، حيث اعتنى بها الكوفيون وتطوع بعضهم لنشرها في قم إبان القرن الثالث.

وقيل ان (الكافي) يتضمن ثلاثين كتاباً كالذي صرح به الشيخ الطوسي في فهرسته { محمد بن الحسن الطوسي: الفهرست، منشورات الشريف الرضي، قم، لم تذكر سنة النشر، ص135}، لكن من المتأخرين من قال انه عبارة عن اثنين وثلاثين كتاباً { انظر: روضات الجنات، ج6، ص109، ومحمد مهدي بحر العلوم: الفوائد الرجالية، حققه وعلق عليه محمد صادق بحر العلوم وحسين بحر العلوم، نشر مكتبة الصادق، طهران، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج3، ص332}، بل وقيل كذلك انه خمسون كتاباً { روضات الجنات، ج6، ص106ـ107}، وفي الطبعات الحديثة الحالية نجده عبارة عن خمسة وثلاثين كتاباً { انظر ابو القاسم الخوئي: معجم رجال الحديث، ج11، ص423ـ424، عن مكتبة الكوثر الالكترونية: www.al-kawthar.com }، واذا اخذنا بنظر الاعتبار ان الرواية المعتبرة وسط هذه الاقوال هي رواية الشيخ الطوسي لقدم قوله، فان هناك خمسة كتب غير معلومة تبدو زائدة على الكافي، وربما مدسوسة فيه.

اما الكليني فيعد لدى علماء الشيعة من الثقات العظام. وقد عاصر الغيبة الصغرى للامام المهدي، وذلك زمن السفراء الاربعة. والبعض يرجح انه ادرك الامام العسكري وإن لم يرو عنه. كما ادرك الكثير من رجال الحديث الذين عاصروا بعض الائمة المتأخرين ممن صحبوهم وسمعوا منهم ورووا عنهم، وقد تتلمذ على يدهم وسمع منهم وروى عنهم { عبد الحسين المظفر: الشافي في شرح اصول الكافي، مطبعة الغري الحديثة، النجف، الطبعة الثانية، 1389هـ ـ1969، ج1، ص27ـ30}.

ويأتي بعد الكافي كتاب (من لا يحضره الفقيه) للصدوق. وتعد احاديثه اقل عدداً من احاديث (الكافي) حيث تبلغ اكثر من تسعة الاف (9044) حديث في الاحكام والسنن { تأسيس الشيعة، انتشارات اعلمي، لم تذكر سنة الطبع ولا مكانه، ص288، واعيان الشيعة، ج1، ص144}، وهي موزعة على (176) باباً، وقد صرح الصدوق بانه اخرج احاديثه من الكتب المشهورة المعول عليها لدى المحدثين الشيعة انذاك، واستشهد في مقدمته بعدد من هذه الكتب، كما اعتبر انه سعى لما هو صحيح واعتقد انه حجة فيما بينه وبين الله { الصدوق: من لا يحضره الفقيه، صححه وعلق عليه علي أكبر الغفاري، منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية بقم، الطبعة الثانية، 1404هـ، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج1، المقدمة، ص3 }.

اخيراً يبقى كتابا (تهذيب الاحكام والاستبصار) للطوسي، وهما مختصان في الاحكام الفقهية. ويعد كتاب الاستبصار اختصاراً للتهذيب، وبحسب رأي الشهيد الثاني انه يمكن الاستغناء به عنه { روضات الجنات، ج6، ص106}. في حين رأى الشيخ الاردبيلي وتابعه النوري وغيرهما من العلماء ان (التهذيب) هو أعظم كتب الحديث في الفقه منزلة، وأكثرها منفعة، ففيه كل ما يبتغيه الفقيه من روايات الاحكام مغن عما سواه في الغالب دون ان يغني عنه كتاب اخر { حسين الطبرسي النوري: خاتمة مستدرك وسائل الشيعة، تحقيق مؤسسة آل البيت لاحياء التراث، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج6، ص13، وانظر ايضاً: روضات الجنات، ج6، ص205، واعيان الشيعة، ج9، ص161، وحسن الصدر: نهاية الدراية، تحقيق ماجد الغرباوي، مكتبة يعسوب الالكترونية، ص579 }. وقد وضع (التهذيب) لاجل جمع مطلق الاحاديث سواء ما ورد منها على سبيل الوفاق او الخلاف، وذلك بخلاف (الاستبصار) حيث انه اقتصر على الاخبار التي تتصف بالاختلاف والتعارض كالذي نص عليه الطوسي في ترجمته لنفسه في (الفهرست) { الفهرست، ص160}، وقد اشار في مقدمة (الاستبصار) الى انه سيتبع طريقة الجمع بين الاخبار المتعارضة دون اسقاط شيء منها ما امكن ذلك.

على هذا امتاز الكتابان بانهما يعالجان، ولاول مرة، مسألة التعارض بين النصوص، كالذي اشار اليه الطوسي في مقدمة الكتابين، حيث قسم الاخبار الى عدد من الخصائص ووضع قواعده في الجمع والترجيح، وهي الطريقة التي مثلت جوهر العملية الفقهية لدى فقهاء الشيعة فيما بعد. ولكتاب التهذيب (393) باباً، واحاديثه تبلغ اكثر من ثلاثة عشر ونصف الف (13590) حديث { تأسيس الشيعة، ص289، كذلك: اعيان الشيعة، ج1، ص144، وج9، ص161}. اما كتاب الاستبصار فتبلغ ابوابه (925) باباً، واحاديثه تبلغ اكثر من خمسة الاف (5511) حديث، وقد حصرها الطوسي في خاتمة كتابه خشية ان يقع فيها زيادة او نقصان { الطوسي: الاستبصار، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج4، الخاتمة). }. لكن مع ذلك ذكر الطهراني بان بعض العلماء احصى احاديث هذا الكتاب فحصرها في (6531) حديث، وهو خلاف ما ذكره الطوسي { اغا بزرك الطهراني: الذريعة الى تصانيف الشيعة، دار الاضواء، بيروت، 1403هـ ـ1983م، ج2، ص14 }.

هذه هي الكتب الاربعة الاساسية المعتمدة لدى علماء الشيعة، وقد استمر العمل بها قرنين من الزمان بعد الطوسي، ثم بدأت الدعوة الى اجراء التحقيق في سند احاديثها من قبل بعض المتأخرين خلال القرن السابع للهجرة، وذلك تأثراً بالطريقة الشائعة لدى اهل السنة. حيث عمل العلامة الحلي او شيخه ابن طاوس على استعارة تقسيم الحديث منهم الى اربعة اقسام هي الصحيح والحسن والموثق والضعيف { يوسف البحراني: الدرر النجفية، مؤسسة آل البيت لاحياء التراث، ص165، والحدائق الناضرة في احكام العترة الطاهرة، حققه وعلق عليه واشرف على طبعه محمد تقي الايرواني، مؤسسة النشر الاسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم، عن مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج1، ص14، كذلك: وسائل الشيعة، المكتبة الاسلامية، طهران، ج20، ص68 }، حتى صار مسلكاً يحتذي به الاصوليون الشيعة الى يومنا هذا.

وقيل ان السبب الذي دعا الى تقسيم الحديث هو انه لما طالت المدة بين العلماء المتأخرين وبين الصدر الاول، وخفيت عليهم القرائن التي اوجبت صحة الاخبار عن المتقدمين، لجأوا الى التنويع والتقسيم، لمعرفة صحيح الاخبار من ضعيفها { الحدائق الناضرة، ج1، ص15 }. كما علل بعض الاصوليين الوضع الجديد بانه كان بسبب اختلاط الاصول المعتمدة بغيرها واندراس هذه الاصول فضلاً عن خفاء القرائن، ولأن اصحاب الجوامع الاربعة كانوا يعتمدون على اجتهاداتهم في تصحيح الاحاديث { الدرر النجفية، ص165ـ166، كذلك: وسائل الشيعة، ج20، ص68 }.

البيان الشيعي ومشكلة الانسداد

على الرغم من ان البيانيين في الوسط الشيعي ارادوا للحديث ان يكون ضالتهم المعتمدة في الوضوح والكفاية التفصيلية لقضايا العقيدة والشريعة، مثلما هو حال بيانيي الوسط السني، لكنهم لم يفلحوا فيما راموا اليه لعدد من المشاكل الشائكة افضت الى الوقوع في خندق انسداد العلم وطرقه، وابرز هذه المشاكل ما يلي:

اولاً

مع ان اهتمام علماء الشيعة بعلم الرجال والجرح والتعديل يعود الى زمن الائمة، لكن كتبهم التي شاعت في ذلك العصر وما بعده بقليل لم يعد لها اثر في الازمان المتأخرة. فأبرز ما بقي من الكتب المعتمدة هي اربعة صغيرة متأخرة تعرف بالاصول الرجالية الاربعة. وهذا يعني ان هناك فجوة بين علم الرجال وبين اغلب الرواة الذين يتحدث عنهم هذا العلم. بل هناك انسداد في الباب بسبب وجود الفاصلة الزمنية الكبيرة التي تفصل بين زمن الكتب المتبقية من علم الرجال وبين زمن الرواة الذين عاصروا الائمة وعلى رأسهم الامام الصادق حيث غلبت عنه الرواية.

والاصول الاربعة التي وصلتنا في علم الرجال، هي كل من اختيار رجال الكشي ورجال النجاشي ورجال وفهرست الطوسي. يضاف اليها رجال ابن الغضائري المسمى بـ (كتاب الضعفاء) وهو كتاب شكك فيه العلماء. فهذه هي الكتب الاساسية الوحيدة التي بقيت خلال القرن السابع الهجري والتي اعتمد عليها المتأخرون بدءاً من ابن طاوس (المتوفى سنة 673) وتلميذيه العلامة الحلي وابن داود وحتى عصرنا الحاضر.

واول ما يلاحظ ان رجال الكشي مفقود، وما بقي منه هو ما انتخبه الشيخ الطوسي بعد تهذيبه وتلخيصه، وسماه (اختيار معرفة الرجال). وقيل ان النسخ التي وصلتنا من الكتاب تختلف بالزيادة والنقصان. اما رجال الكشي فقد ذكر النجاشي ان فيه اغلاطاً كثيرة { نفس المصدر والصفحة السابقة. }، وهو ما دعا الطوسي الى القيام بتهذيبه وتجريد ما فيه من اغلاط { الذريعة، الطبعة الثالثة، 1403هـ ـ1983م، ج1، ص365، وج10، ص141، كذلك: اعيان الشيعة، ج9، ص165}. وربما اجرى الطوسي اضافات وتغييرات جوهرية على الكتاب دون ان نعرف حقيقتها. كذلك ان الكتاب يغلب عليه الاسانيد المعلقة، وان الطوسي ذكر هذه الاسانيد من غير اصلاح، وعلى رأي بعض المحققين انه لم يصح من نصوص الكتاب المقدرة (1150) نصاً الا اقل من ثلاثمائة نص فقط { محمد باقر البهبودي: معرفة الحديث، مركز انتشارات علمي وفرهنكي، ايران، 1362هـ، ص56 }. هذا بالاضافة الى وجود مشكلتين اخرتين، احداهما ان الكتاب يعتمد التوثيق المروي عن الائمة بحق الرواة، وهو ليس معنياً بالغالبية العظمى ممن لم يرد فيهم شيء عن الائمة. اما المشكلة الاخرى فهي ان الكثير من روايات التوثيق التي ينقلها الكتاب عن الائمة هي روايات متعارضة من المدح والذم، ولم يسلم من ذلك حتى اولئك الموصوفين بقوة الوثاقة ممن اعتمد عليهم في النقل. الامر الذي اضطر العلماء الى تعليل روايات الذم بانها صادرة للتقية.

اما رجال النجاشي فهو يستهدف البحث عن اصحاب المصنفات من الشيعة وليس الكشف عن احوال الرجال، وان الاسم الحقيقي للكتاب هو (الفهرست) حيث صنفه ليثبت ان في قدماء الشيعة الكثير من المصنفين الذين كثرت كتبهم ومصنفاتهم، فحاول جهده ان يجمع ما امكنه من اسماء المصنفين المعروفين بالكتب، فكان كتابه من الفهارس التي تخص معرفة المصنفات واصحابها، وليس فيه ذكر لمن لم يكن له كتاب او تصنيف. ومع ذلك فغالباً ما تضمن الكتاب توثيق الرجال المصنفين، فاعتبر بذلك من كتب علم الرجال، وإن خلا من التفصيل عن الاحوال عادة. فقد تناول فيه النجاشي اكثر من الف ومائتي (1269) مادة رجالية رغم صغر حجمه بحيث لا يعطي صورة كافية للتوثيق، وعبّر عن اغلب رجاله بلفظة (ثقة) مفردة او مقترنة بالفاظ اخرى، وفي بعض الاحيان انه يذكر اسم الراوي مع كتابه او مصنفاته فحسب، او يذكر عنه انه روى عن الامام الفلاني، او يذكر اسمه دون شيء اخر، وغالباً ما لا يزيد ذكره عن المادة الواحدة اكثر من ثلاثة او اربعة اسطر حسب الطبعة الحديثة التي اعتمدناها، ويتخلل ذلك نقله للسند او الثنا والعنعنة.

وفي الكتاب غالباً ما تتكرر لفظة (ثقة) منفردة، ويفوق تكررها ما قد تقترن بغيرها من اوصاف. ومن هذه الاوصاف التي ذكرها النجاشي مقترنة بتلك اللفظة؛ قوله مثلاً: كان ثقة صدوقاً، او انه ثقة ثقة، او ثقة عين، او ثقة ثقة عين، او ثقة ثبت... الخ.

يضاف الى ان النجاشي لم يذكر شيئاً من التوثيق في حق الكثير من رجاله، فاحياناً يذكر اسم الرواة فقط، واخرى لا يذكر في حق الرجل الا ان له كتاباً او مجموعة من الكتب، او يذكر انه روى عن الامام الفلاني، او ان له مسائل الى الامام، او انه من بلاد كذا... الخ.

وتبعاً لما سبق يمكن ان نسجل الملاحظات النقدية التالية:

1ـ ان اغلب الرجال الذين ذكرهم النجاشي قد حكم عليهم بالثقة، سواء كانت هذه اللفظة منفردة او مقترنة مع غيرها من الصفات المتعلقة بالتوثيق . على ان لفظة الثقة المنفردة قد فاق تكررها كثيراً تلك التي وردت مقترنة مع غيرها من الاوصاف الاخرى. لكن ما ورد من هذه الاوصاف يجعل اللفظة المنفردة غير كافية لأن يعول عليها في توثيق ما ينقله الراوي. فمثلاً ان النجاشي رغم توثيقه لبعض رجاله الا انه يقرن ذلك بصفات تمنع الاعتماد عليه احياناً، مثل ان يصفه بانه يروي عن الضعفاء او يعتمد المراسيل، وقد يصف الرجل بالثقة ويقرن مع هذا الوصف انه صحيح الحديث، او يصف الرجل بانه ثقة في الحديث... الخ، وكل ذلك ينبئ عن ان انفراد لفظة الثقة لا تدل على وثاقة الرجل في النقل والرواية، فقد يكون ثقة لا يكذب لكنه ضعيف الحافظة او غير دقيق وضابط للحديث، لذلك وصف النجاشي البعض بالثقة واقرن معه انه صحيح السماع او الرواية. مما يدل على ان اغلب رجال النجاشي لم يتعين في حقهم التوثيق الخاص بالنقل والرواية، ولم يرد بشأنهم علامات دالة على الحفظ والاتقان.

2ـ لقد اقتصر كتاب النجاشي على المصنفين، وهو بذلك لا يغطي مساحة الرواة الذين لم يعرف لهم مصنفات. فكما مر معنا ان عدد المصنفات التي ظهرت في عصر الامام الصادق كانت تقدر باربعمائة مصنف، في حين ان الذين رووا عن الصادق كانوا اربعة الاف رجل، فعدد هؤلاء اعظم من عدد المصنفين باضعاف كثيرة، وهم غائبون عن مطلب الكتاب. يضاف الى ان الكتاب قد شمل علماء ومصنفين لا علاقة لهم بالرواية والنقل، كالشعراء والادباء والمتكلمين وما اليهم، وان كان غالب ما تضمنه هم اصحاب الرواية والحديث.

3ـ يغلب على طريقة النجاشي الاهتمام بالسند المتصل، واحياناً لا يذكر السند، كما يصدّر سنده احياناً بعبارة (اخبرنا عدة من اصحابنا) او ما يقابلها من معنى مثل الجماعة وما اليها، وذلك على شاكلة ما الفه اصحاب الحديث؛ مثل الكليني والطوسي. مع هذا فان اهتمام النجاشي بالسند جعله ينقل كيفية مختلفة من الاتصال بين الرواة، فهو عادة ما يصدر السند بلفظة (اخبرنا) وبعد ذلك قد يخلل اواسطه بعبارة العنعنة ثم يعقبها بعبارات دالة على الاتصال والسماع المباشر، مثل عبارة (قال حدثنا..) ويذكر اسم الراوي، او قد يكون العكس فيروي بمثل هذا السماع المباشر ثم يعقبه بالعنعنة، واحياناً يمتزج الحال باشكال من التعاقب في سلسلة السند الواحد. وهذا يعني ان هناك تمايزاً بين العنعنة وبين السماع المباشر، وان وجود الاولى دال على المسامحة في النقل، كالذي يحصل في نقل الاحاديث، حيث هو الاخر قائم على المسامحة بفعل غياب ما يدل على الاتصال والسماع المباشر.

اخيراً يبقى ما قدمه الشيخ الطوسي، حيث ان له كتابين يعرفان برجال الطوسي والفهرست. ويسمى الكتاب الاول بالابواب، وهو مرتب على ابواب بعدد رجال صحابة النبي واصحاب كل واحد من الائمة ممن روى عنهم مباشرة او بواسطة.

لكن تبقى مشكلة الكتاب هو انه يكاد يخلو من التوثيق ويقتصر على ذكر اسماء الرجال ونسبهم وطبقاتهم، حيث الفه الطوسي لهذا الغرض، وإن اشار في النادر الى كلمة ما من التوثيق.

اما كتاب الفهرست فهو العمدة لدى علماء الرجال والتوثيق، ونظرة داخلية له ترينا بان مجموع مواده الرجالية تقارب تسعمائة (888) مادة. والغالب في طريقة الطوسي انه يذكر السند بالعنعنة، لكنه يصدره بعبارة الثنا حدثنا او اخبرنا، واحياناً يذكر عبارة (اخبرنا عدة من اصحابنا) وما شاكلها، كما قد لا يذكر السند تماماً. وحديث الطوسي في اغلب مواده مختصر وقليل، الى درجة لا يتجاوز حد السطرين، بما فيه ذكر اسم الراوي وسلسلة السند، وذلك حسب الطبعة الحديثة التي اعتمدناها، وان حوالي ثلاثة ارباع المواد لا يتجاوز كل منها الثلاثة اسطر. وتعد كلمات التوثيق في الرجال عند الطوسي قليلة، واغلب ما كان يذكره في رجاله هو الاكتفاء بتعريف الرجل ان له كتاباً؛ دون ان يعرّف باسم الكتاب. وهو في كثير من الاحيان لا يهتم بنقل السند، كما قد يذكر ان للرجل اصلاً دون ذكر اسمه، او ان له روايات او نوادر او مسائل، واحياناً قليلة يكتفي بان يقول ان له كتباً او اخباراً او مصنفات، لكنه في حالات كثيرة ايضاً يشير الى اسماء الكتب والمصنفات. وفي كتاب الطوسي هناك جماعة كثيرة لم يعرفوا باسمائهم سوى الكنية او اللقب او القبيلة او البلد، واغلب ما كان يذكره عن الواحد منهم ان له كتاباً، وقد يذكر السند، كما قد لا يذكره، او يكتفي بعبارة رواه فلان وما الى ذلك.

ويلاحظ ان العلماء المتأخرين قد ارتبطوا بالطوسي اكثر من غيره في معرفة حال المتقدمين، فقد اعتبروه حلقة الاتصال بين المتأخرين والمتقدمين من اصحاب الاصول الاربعمائة، وذلك لكثرة ممارسته التوثيق في كتب الحديث والفقه التي ألفها، ولهيمنة شخصيته على من جاء بعده من العلماء في مختلف العلوم النقلية؛ حتى اصبح تقليده من المسلمات خلال ما يقرب القرن من الزمان. فقد كانت توثيقاته وفتاويه هي العمدة لمن جاء بعده، واعتبر العلماء ان اصول المذهب كلها راجعة اليه، خاصة وقد انقطعت السلسلة بعده فاصبح اغلب الناس يقلدونه ويعملون بفتاويه، بل ويستدلون بها كما يستدل بالرواية على ما صرح به ابن ادريس الحلي وغيره. فهم حين يذكرون طرقهم الى أرباب الاصول والكتب المعاصرين للائمة يتوسلون بطرقهم الى الطوسي ثم يحيلون الامر بعد ذلك الى طرقه {معجم رجال الحديث، ج1، ص43}.

لكن مع ان الطوسي هو الرابط الاعظم بين المتأخرين والمتقدمين كما عرفنا، الا ان فيه جملة من نقاط الضعف والتناقض، الى الدرجة التي قد يصعب الاعتماد عليه في التوثيق والنقل والادعاء. فقد وصفه البعض بانه كان يضعف الرجل في موضع ويوثقه في موضع اخر، واراؤه في هذا وغيره لا تكاد تنضبط {روضات الجنات، ج6، ص222 }. ومن ذلك انه كان يصرح بصحة الاعتماد على روايات اصحاب العقائد المنحرفة ما لم يعرفوا بالكذب { حسن بن زين الدين العاملي: معالم الدين وملاذ المجتهدين، اخراج وتحقيق وتعليق عبد الحسين محمد علي بقال، منشورات مكتبة الداوري، قم، ص230ـ231 }، وهو في مقدمة (الفهرست) اشار الى ان الكثير من ارباب الاصول هم ذوي عقائد فاسدة وان كانت كتبهم معتمدة، لكنه مع هذا لا يتقبل احياناً روايات بعض الثقات منهم بعلة الانحراف في المذهب والاعتقاد، كما هو الحال في طرحه بعض الاخبار التي رواها سماعة معللاً ذلك بانه واقفي، وقد عرف الرجل بقوة الوثاقة والجلالة { محمد باقر البهبهاني: رسالة الاجتهاد والاخبار، وهي ملحقة خلف عدة الأصول للطوسي مع حاشية في الأخير، طبعة حجرية، مطبعة ميرزا حبيب الله، دار الخلافة بطهران، 1317هـ.، ص59}. وفي كتابه (الرجال) تارة انه يذكر الرجل في رجال احد الائمة، وأخرى في رجال غيره، وثالثة فيمن لم يرو { نهاية الدراية، ص382ـ384}.

وتبعاً للاضطراب المعروف عن الطوسي فقد نقل الخوانساري كلاماً للمحقق اسماعيل الخاجوئي يقول فيه: >لا يسوغ تقليد الشيخ (الطوسي) في معرفة احوال الرجال، ولا يفيد اخباره بها ظناً، بل ولا شكاً في حال من الاحوال، لان كلامه في هذا الباب مضطرب، ومن اضطرابه انه يقول في موضع ان الرجل ثقة، وفي اخر انه ضعيف< { يوسف البحراني: لؤلؤة البحرين، حققه وعلق عليه محمد صادق بحر العلوم، مطبعة النعمان، النجف، ص298، وروضات الجنات، ج6، ص218}.

والذي نخلص اليه هو ان ما ورثه المتأخرون عن معرفة المتقدمين هي تلك التي قدمها لهم الطوسي ومعاصره النجاشي رغم الفاصلة الكبيرة التي تفصل زمانهما عن عصر المتقدمين، وعادة ما تكون سلسلة السند في توثيقات هذين الرجلين للرواة طويلة تبعاً لتعدد الوسائط من خبر الواحد، وهي في النتيجة لا تعطي المادة الكافية. واذا عرفنا ان اغلب نصوص الحديث رويت عن الامام الصادق، فان الفاصلة التي تفصل بين عصر هذا الامام وعصر النجاشي والطوسي تقارب الثلاثمائة سنة، حيث توفي الصادق في منتصف القرن الثاني للهجرة (148هـ) وتوفي النجاشي في منتصف القرن الخامس للهجرة (450هـ) وكذا توفي الطوسي قريب هذه الفترة، وبين المدتين فاصلة كبيرة، فكيف يمكن الاطمئنان الى التوثيق الذي يصدر منهما حول الرواة الذين عاصروا الصادق ورووا عنه مع طول هذه المدة وقصر العبارات التي اورداها واقتضابها من حيث انها غالباً ما لا تفي بشيء مهم في التعرف على الراوي؟!

علماً بان الشرط الزمني في التوثيق ليس غائباً عن اعين بعض المحققين. فهذا ابو القاسم الخوئي يرى ان من شروط التوثيق هو أن يكون من أخبر عن وثاقته معاصراً للمخبر او قريب العصر منه، ولا عبرة بتوثيق من كان بعيداً عن عصره، لأنه يكون مبنياً على الحدس والاجتهاد فحسب { معجم رجال الحديث، ج1، ص43}. ولا شك ان هذا الحال ينطبق تماماً على توثيق الشيخين الطوسي والنجاشي ومن عاصرهما. وفيه يتبين انسداد علم التوثيق سواء اخذنا الامر من حيث اجتهاد هؤلاء الموثقين، او اعتبرنا انهم انما بنوا توثيقاتهم تبعاً للنقل والرواية،

ثانياً

اذا غضضنا النظر عن مشكلة التوثيق في علم الرجال كالذي عرضناها من قبل، وتساءلنا عن الكيفية التي تعامل بها اصحاب الكتب الاربعة مع سند الروايات التي جمعوها، فهل بدا منهم حرص على الاهتمام بالسند لمن رووا عنه؟ ام كانوا مجرد نقلة جامعين من غير تحقيق؟

واقع الامر انه قد استقر عمل هؤلاء على ما شاع عندهم من الكتب المعروفة دون تحقيق وتدقيق في السند الذي يوصل الى هذه الطرق، ولا الى ما يتصف به اصحابها ومضامينها، وكأنها كتب صحاح بما تضمنته من الروايات. فمثلاً ان الكليني يصدر سنده بذكر اسم الراوي عادة دون ان يعرّف اتصاله به إن كان قد عول في ذكره على ما في الكتب والاصول المشهورة انذاك، او انه استند الى طريق اخر، والارجح هو الاول، خاصة انه روى حديثاً يفيد هذا المعنى { الكافي، ج1، باب رواية الكتب والحديث، حديث 15 }.

وقد شكل هذا الحال معضلة لدى المتأخرين من الاصوليين، وذلك انهم صرحوا باعتبار الواسطة والاعتناء بها، والتي منها الطرق الى اصحاب الكتب والاصول التي ظلت مجهولة لدى المتأخرين. اما الاخباريون فانهم لم يبالوا بالامر، اذ ذهبوا الى عدم الحاجة الى الطريق فيما روي بصورة التعليق من احاديث الكتب المعتبرة، وعلى رأيهم انه لا يضر الجهل بالطريق ولا اشتماله على مجهول او ضعيف، طالما ان الاصول والكتب كانت مشهورة معروفة في تلك الاعصار متواترة النسبة الى اصحابها، وإن فقدت الطرق التي توصل الى ارباب هذه الكتب واصبحت مجهولة لدى المتأخرين. وقد زاد المتأخرون من التعويل على الكتب التي عثروا عليها مما ينسب الى القدماء رغم الفاصلة الزمنية الطويلة وقوة احتمال الوضع والدس والتزوير، فقد ادرج الحر العاملي في كتابه (وسائل الشيعة) ثمانين كتاباً ظفر بها من كتب المتقدمين، وكذا ادرج حسين النوري في كتابه (مستدرك الوسائل) اكثر من ستين كتاباً ظفر بها { خاتمة المستدرك، ج1، الفائدة الاولى. }، وهناك من اضاف الى ذلك كتباً عثر عليها للقدماء المعاصرين للائمة؛ مثل بصائر الدرجات للصفار والمحاسن للبرقي، وجملة اخرى من الاصول قدرت بثلاثة عشر أصلاً { نهاية الدراية، ص533ـ534 }، وقد اعترف الشيخ النوري ان جملة من تلك الكتب التي اعتمد عليها المتأخرون كالحر العاملي في (وسائل الشيعة) هي مما لم تثبت نسبتها الى مؤلفيها، كفضل الشيعة للصدوق، وتحف العقول، وتفسير فرات، وإرشاد الديلمي، ونوادر أحمد بن محمد بن عيسى، والاختصاص للمفيد وما اليها { خاتمة المستدرك، ج1، ص20ـ21}.

يضاف الى ان اصحاب الكتب الاربعة قد تقبلوا الروايات الضعيفة، ومنهم من اعتبرها مقطوعة الصدور، كما ان منهم من تعبد بالعمل بها ضمن شروط. وكان موقفهم من الرواة يستند الى مبدأ المسامحة، فاكثرهم تشدداً هو الشيخ الطوسي الذي مارس مهمة الجرح والتعديل دون سابقيه، وهي المهمة التي ورثها عنه الفقهاء الاصوليون فيما بعد، لكنه مع ذلك لم يمانع من الاخذ بالروايات الضعيفة حين تسلم من المعارض الاقوى ولم يكن رواتها معروفين بالكذب. فهو يقبل كون الراوي ثقة من حيث تحرزه عن الكذب في الرواية وان كان فاسقاً بجوارحه، وادعى ان الطائفة كانت تعمل بالاخبار التي يرويها من هكذا صفته وحاله { معالم الدين، ص230ـ231 }. كما انه يقبل الروايات المرسلة اذا ما كان الراوي قد عرف بانه لا يروي الا عن ثقة، وكذا يقبل الروايات المرسلة بشرط ان لا يكون لها معارض من المسانيد الصحيحة، واحتج بان الطائفة عملت بالمراسيل عند سلامتها عن المعارض كما تعمل بالمسانيد من دون فرق { معالم الدين، ص245ـ246}. كذلك رغم اعترافه بان الكثير من المصنفين القدماء كانوا ينتحلون المذاهب الفاسدة، الا انه اعتبر كتبهم واصولهم معتمدة { الفهرست، ص2 }. ويؤيد هذا المعنى ما آل اليه المحقق الحلي حين انتقد الجماعة التي تعمل بمبدأ صحة السند، فاعتبر ذلك طعناً بعلماء الطائفة وقدحاً في المذهب، مؤكداً على ان ما من احد منهم الا ويعمل بخبر المجروح { نجم الدين الحلي: المعتبر في شرح المختصر، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ج1، ص6}.

هذا مع الشيخ الطوسي، اما الكليني والصدوق فلا شك انهما لم يباليا بالجرح والتعديل، فقد كان الصدوق يعول في توثيقه على شيخه ابي الوليد، وجاء في كتابه الكثير من الروايات الضعيفة حسب اصطلاح المتأخرين. اما الكليني فمن الواضح انه لم يشترط على نفسه ضابطاً في انتخابه للروايات التي جمعها، وان اتخذ صورة المسامحة في العمل بعد ان اعترف باللبس الذي يحيط بالروايات المتداولة انذاك، كالذي اشار اليه في مقدمة الكافي، حيث كان عمله شبيهاً بعمل المتأخرين فيما اصطلحوا عليه بالاصول العملية، كما انه لم يعول على الجرح والتعديل؛ فكان يروي عن الضعفاء من المنحرفين والغلاة وغيرهم.

ثالثاً

يمكن ان نتساءل: هل كان القدماء المحققون من الفقهاء يثقون بالروايات المشتهرة في زمانهم والمدونة في الاصول الاولية والجوامع الحديثية؟ وهل كانوا يرون فيها شيئاً من الحجية كما ذهب اليه المتأخرون من الاصوليين؟

لعل الجزء الرئيسي من الاجابة على هذا التساؤل يتحدد بموقف القدماء من خبر الاحاد وحجيته. فاغلب المحققين من القدماء لم يتقبلوا خبر الاحاد ما لم تكن معه قرائن دالة على القطع، وذلك بخلاف ما آل اليه المتأخرون. وقد قيل ان الذين منعوا الاخذ بخبر الاحاد هو كل من سبق الطوسي، بل والكثير ممن جاء بعده، مثل المفيد والمرتضى وابن ادريس وابن زهرة والطبرسي، كما نسب هذا المنع الى المحقق الحلي وابن بابويه، وجاء في (الوافية) للفاضل التوني انه لم يجد القول بحجية خبر الاحاد صريحاً ممن تقدم على العلامة الحلي { عبد الله بن محمد الخراساني التوني: الوافية في اصول الفقه، تحقيق محمد حسين الرضوي الكشميري، مؤسسة مجمع الفكر الاسلامي، قم، مكتبة يعسوب الدين الالكترونية، ص158 }، واعتبر الانصاري ذلك امراً عجيباً { مرتضى الانصاري: فرائد الاصول، تحقيق وتقديم عبد الله النوراني، مؤسسة النشر الاسلامي، قم، الطبعة الثالثة، 1411هـ.، ج1، ص109}. ويعد المفيد والمرتضى ابرز القدماء الذين منعوا العمل بهذا الخبر. اما ابرز الذين عولوا على خبر الاحاد من المحققين القدماء فهو الشيخ الطوسي.

وقد انعكس هذا الاختلاف على النظرة الى الروايات المدونة في الاصول والجوامع الحديثية، ومنها الكتب الاربعة. والبعض يعد ابن ادريس هو اول من زعم ان اكثر احاديث اصحابنا المأخوذة عن الاصول المتداولة في عصر الائمة هي اخبار احاد خالية من القرائن الموجبة للقطع، وادى به ذلك الى الاعتراض على اكثر فتاوى الطوسي لكونها تعتمد على تلك الاصول { روضات الجنات، ج6، ص231}، اذ قال ابن ادريس ان الطوسي صنف كتباً إخبارية أكبرها تهذيب الاحكام، أورد فيه من كل غث وسمين { محمد بن ادريس الحلي: السرائر، مؤسسة النشر الاسلامي، الطبعة الثانية، 1410هـ، ج3، ص289، عن مكتبة التبيان الالكترونية: http://hozeh.tebyan.net }. كما اعترض عليه فيما اورده في (الاستبصار) وقال بصدد احدى المسائل الفقهية: >إني لأربأ بشيخنا أبي جعفر، مع جلالة قدره وتبحره ورياسته، من هذا القول المخالف لاصول المذهب، وله رحمه الله في كتابه الاستبصار توسطات عجيبة، لا استجملها له، والذي حمله على ذلك، جمعه بين المتضادات، و هذا لا حاجة فيه، بل الواجب الاخذ بالادلة القاطعة للاعذار، وترك أخبار الآحاد التي لا توجب علماً ولا عملاً، فانه أسلم للديانة، لان الله تعالى ما كلفنا إلا الاخذ بالادلة و ترك ما عداها< { السرائر، ج2، ص422}.

بل حتى الشيخ الطوسي هو الاخر اثار شبهة كون اكثر الرواة في الكتب الشيعية هم من المجبرة والمشبهة والمقلدة والغلاة والواقفية والفطحية وغيرهم، وناقش في بعض ما ذكر واعترف بوجود روايات الجبر والتشبيه، لكنه اعتبرها لا تدل بالضرورة على كون ناقليها هم ممن يعتقدون بها. مع هذا فقد اعترف بان اكثر الاخبار الخاصة في الاحكام تفتقر الى القرائن الدالة على صحتها { عدة الاصول، ج1، ص135، كذلك: فرائد الاصول، ج1، ص187 }. فلا عجب - اذاً - ان يرى بعض المتأخرين ان ما ذهب اليه اصحاب دليل الانسداد في الازمان الاخيرة له جذوره في ما سبق اليه الطوسي من اعتقاد { فرائد الاصول، ج1، ص150 }.

على ذلك يمكن القول ان هناك نزعة تشكيكية تسود بين المحققين القدماء ازاء الروايات المدونة في الاصول الاولية وكتب الحديث القديمة، وان تباين حجم هذا التشكيك بينهم. وهو موقف يختلف عما آل اليه المتأخرون؛ سواء الاخباريون منهم او الاصوليون، باستثناء اصحاب دليل الانسداد.

رابعاً

تتصف الروايات الشيعية المعتمد عليها بكثرة التعارض في مختلف ابواب الفقه والعقيدة، وهي حقيقة اعترف بها العلماء وجعلت البعض يرتد عن مذهبه، كما اودت ببعض اخر الى ان ينئا بنفسه عن الفتوى لتضارب الاحكام بعضها بالبعض الاخر.

وربما يكون الطوسي هو اول من شغل نفسه بهذا المشكل، فكتب كتابه (تهذيب الاحكام) بناء على ما علمه من ان عدداً من علماء الشيعة قد تركوا المذهب لاجل ما رأوه من اختلاف الرواية وتعارضها. فقد صنف الطوسي كتابه كشرح لكتاب (المقنعة) العائد الى شيخه المفيد، وذلك لما سمعه يقول ان ابا الحسين الهاروني العلوي كان يعتقد الحق ويدين بالامامة فرجع عنها لما التبس عليه الامر في اختلاف الاحاديث وترك المذهب ودان بغيره لما لم يتبين له وجوه المعاني فيها، لذا عد الاشتغال بشرح كتاب يحتوي على تأويل الاخبار المختلفة والاحاديث المتنافية هو من اعظم المهمات في الدين. فهو في مقدمة التهذيب اشار الى هذا المعنى وقال: >إن أحاديث أصحابنا فيها من الاختلاف والتباين والمنافاة والتضاد حتى لا يكاد يتفق خبر إلا وبإزائه ما يضاده، ولا يسلم حديث إلا وفي مقابلته ما ينافيه، حتى جعل مخالفونا ذلك من أعظم الطعون على مذهبنا وتطرقوا بذلك إلى إبطال معتقدنا، وذكروا أنه لم يزل شيوخكم السلف والخلف يطعنون على مخالفيهم بالاختلاف الذى يدينون الله تعالى به ويشنعون عليهم بافتراق كلمتهم في الفروع، ويذكرون أن هذا مما لا يجوز أن يتعبد به الحكيم، ولا أن يبيح العمل به العليم، وقد وجدناكم أشد اختلافاً من مخالفيكم وأكثر تبايناً من مباينيكم، ووجود هذا الاختلاف منكم مع اعتقادكم بطلان ذلك دليل على فساد الاصل<. واعتبر انه بسبب ذلك رجع جماعة عن اعتقاد الحق { الطوسي: تهذيب الأحكام، تقديم حسن الخرسان، دار الكتب الاسلامية، طهران، الطبعة الثالثة، 1390هـ، المقدمة، ص2}.

على ان كثرة التعارض بين الروايات جعلت الحقيقة الدينية ضائعة. وقد لمح بعض العلماء الى هذه النقطة، معترفاً بانه لا يمكن التوصل الى الحقيقة الدينية النابعة عن كلام الائمة عبر الوسيلة العرفية المطلق عليها بحجية الظهور. وكما ذكر المحقق الخوئي بأن كلام الائمة حيث انه يختلف من احدهم لآخر للتقية او لغيره، فإنه على ذلك لا تجري فيه أصالة حجية الظهور التي هي أصل عقلائي { ابو القاسم الخوئي: التنقيح في شرح العروة الوثقى، كتاب الاجتهاد والتقليد، تحرير الميرزا علي الغروي التبريزي، مقدمة عبد الرزاق الموسوي المقرم، مطبعة الآداب، النجف، ص161 }. وقبله ذكر الانصاري ان عمدة الاختلاف في الرواية انما هي كثرة ارادة خلاف الظواهر في الاخبار، اما بقرائن متصلة اختفت علينا من جهة تقطيع الاخبار او نقلها بالمعنى، او منفصلة مختفية من جهة كونها حالية معلومة للمخاطبين، او مقالية اختفت بالانطماس، واما بغير القرينة لمصلحة يراها الامام من تقية وما اليها { فرائد الاصول، ج2، ص810}. بل وقبل ذلك عرفنا كيف ان الكليني يعترف بضياع الحقيقة، الامر الذي عول فيه على صيغة العمل بما وسع له الاختيار.

هكذا يدرك المحققون كون الحقيقة الدينية ضائعة بسبب تعارض الروايات واختلافها، وان اخطأوا في تحديد السبب الاساس الذي يقف وراء هذا الضياع. لكن ظلت المحاولات ترمي الى ايجاد الطرق الكفيلة لمعالجة مثل هذا الوضع باشكال شتى، ابرزها محاولات الجمع بين الروايات المتعارضة كالذي بشر بها الشيخ الطوسي واتباعه من المجتهدين.

وكان من نتائج الدس والكذب ان ظهرت اعداد كبيرة من الاحاديث المخالفة لظواهر الكتاب والسنة. وكما ذكر الانصاري ان الاخبار المخالفة لظواهر الكتاب والسنة كثيرة جداً، معلقاً على ذلك بانه لا يصدر من الكذابين ما هو مباين للكتاب كلية كي لا ينكشف الوضع { فرائد الاصول، ج1، ص111}. ومثل ذلك ما اشار اليه الاخوند الخراساني، وهو ان الاخبار المخالفة لعموم الكتاب كثيرة جداً { محمد كاظم الخراساني: كفاية الاصول، مؤسسة النشر الاسلامي لجماعة المدرسين بقم، الطبعة الاولى، 1412هـ، ص276}. وعليه ان من الصعب الوثوق بمثل هذه الاخبار، ناهيك عن ان تكون حاكمة على نص الكتاب القطعي، سواء بالتخصيص او التقييد او النسخ، او اي شكل من اشكال التغيير في المعنى والحكم كما يمارسها اصحاب الدائرة البيانية.

كما لم ينفع الاصطلاح المستحدث في تقسيم الحديث، فهناك روايات تعد من الصحاح رغم انها متهافتة او ظاهرة الوضع. ففي رواية في اصول الكافي عدّت صحيحة رغم ما تتضمنه من تناقض، اذ جاء ان معنى الذكر في قوله تعالى: ((وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسئلون)) هو رسول الله، وان قومه هم اهل بيته { الاصول من الكافي، ج1، كتاب الحجة، باب أن أهل الذكر الذين أمر الله الخلق بسؤالهم هم الأئمة، حديث 4 }. مع ان في هذا الحديث تناقضاً، اذ كيف يكون الذكر رسول الله وهو المخاطب الذي اضيف اليه الذكر؟! بل جاء بعده مباشرة حديث اخر عدّ صحيحاً ايضاً رغم انه يخالف الاول، حيث ورد فيه ان الذكر هو القرآن { انظر التصحيح الوارد في الحديثين: الشافي في شرح اصول الكافي، المجلد الثالث، ص133 }.

وبهذا يتضح ان قضية ابعاد الروايات المختلقة ومعالجة التعارض بين الاحاديث هي اكبر من ان يطالها علم التوثيق كما هو معهود في التقسيم المستحدث الذي عمل به العلماء وما زالوا.

***

ونخلص مما سبق الى انه ليس هناك ما يدل على حجية الحديث المنقول الينا كالذي يدعيه البيانيون في الساحتين السنية والشيعية، فاحتمالات التحوير في المعنى والزيادة والنقصان ترد على الدوام، وذلك تبعاً للنقل المتعدد من جيل الى جيل مصحوباً بتغيير الالفاظ والعبارات كالذي اطلعنا عليه من قبل، وكلما زاد السند في الطول كلما ضعفت القيمة الاحتمالية لاصابة نقل الحديث بدقة، ناهيك عن احتمالات الوضع والدس. وقد اعترف عدد من العلماء بعدم وجود حديث يرقى الى مستوى التواتر او القطع. بل حتى لو سلمنا بوجود احاديث مقطوعة الصدور عن النبي، فان ذلك لا يلغي المشاكل التي تخص المعنى بفعل ملابسات الاحداث والاحوال، اذ قد تكون الاحاديث شخصية طارئة لا علاقة لها بالامور الدينية العامة، او تكون ذات فحوى اداري يخص مجتمع الجزيرة انذاك بكل ما يحمله من سياقات خاصة، او ان علاقتها بغيرها من النصوص هي غير ما نتصوره ونقدره. وهنا نواجه عدداً من المشاكل والاحتمالات المتراكبة، فهناك تردد في سلامة نقل الخبر كما هو، وهناك تردد اخر في مضمونه ومعناه، وكذا في علاقته بغيره من النصوص؛ إن كانت علاقة نسخ او تخصيص وتقييد او غير ذلك من مشاكل معقدة، وكلها تتجمع حول اضعاف قيمة الخبر، ويصبح احتمال صحة العمل به عبارة عن ضرب مجموعة كبيرة من الاحتمالات والترددات الواردة حوله، مع انه كلما ازداد عدد اطراف الضرب في المحتملات كلما زاد ضعف النتيجة اكثر فاكثر.

وبذلك يثبت خطأ ما تعول عليه الدائرة البيانية من الوضوح والكفاية كما تجدها في الأخبار والأحاديث.

كتب تحت الطبع

  • مشكلة الحديث -- مؤسسة الانتشار العربي
  • العقل والبيان والاشكاليات الدينية -- معد للطبع
  • تعليقات على الاسس المنطقية للاستقراء -- مؤسسة العارف للنشر

عدد الزوار